الصفحة 12 من 73

شريعة المعاملات من شريعة العبادات مماثل لمكان الفرع من الأصل، او لمكان الأثر من المؤثر.

لكن ما العمل إزاء قسم من الأحكام لم يدرك العقل الإنساني علله المصلحية فقال الفقهاء بأنه"تعبدي". من ذلك عدد الركعات و اختلافها من صلاة لأخرى، ومثل جعل الصيام في شهر معين، و مثل كون أشواط الطواف والسعي في الحج سبعا لا أكثر ولا أقل، وكذلك الجمرات، ومثل مقادير الكفارات و الزكوات وعدد النساء المعتدات و كذلك الأنصبة المقدرة في المواريث والأعداد المحددة في عقوبات الجلد من أربعة و ثمانين ومائة ... ؟ و في نظري إن التعليل بما هو كشف عن الأساس الدي لاحظه الشارع في تشريعه لأحكامه المختلفة، هو ترسيخ لثلاثة أبعاد علمية الأولى تعقيلية، و الثانية تحررية، والثالثة تنظيمية.

التعليل تعقيل

يبدو أن التسليم بوجود قسم من الأحكام لم يدرك العقل الإنساني علله هو الذي حمل بعض أهل المقاصد من الأصوليين، على القول بأن الأصل في العبادات هو عدم تعليلها، وأن الأصل في المعاملات هو تعليلها.

العبادات، بحسب الجويني، ما لا يلوح فيها معنى مخصوص، ولا مقصد معقول، ومن ثم كانت الغلبة فيها بالنسبة لتلميذه الغزالي متروكة للاحتكامات، إذ يندر في العبادات اتباع المعاني المعقولة.

و اعترف بن القيم بأن للشارع في أحكام العبادات أسرار لا تهتدي العقل إلى غدراكها على وجه التفصيل و إن أدركتها جملة. إن عدم التعليل فيها يقتضي، كما أوضح الشاطبي في المسألة الثانية عشرة من مقاصد الشريعة للامتثال [1] ، الانقياد لله تعالى والتوجه إليه.

والحق أن هذا الانقياد لله تعالى و التوجه إليه هو أساس تعليل كل أحكام الشريعة. و على كل حال إن تضارب نتائج التعليل، وتعذر الوقوع على العلل المقصودة للشارع، أمران يحملان عندي على الاستمرار في طلب العلة المقصودة شرعا تبعا لواجب التدبر والتفقه المأمور به شرعا قال تعالى:"أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا"- سورة النساء الآية 81 - . وقال تعالى:"فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا راجعوا إليهم". - سورة التوبة، الآية 123 - . و إن هدا الاستمرار في التعليل هو الدي يفسر إقدام أهل

(1) الموافقات 2/ 300، قال الشاطبي:"نؤمر بمجرد التعظيم لله، من غير اعتبار للهيئات المخصوصة التي حدها الشارع"المصدر نفسه 2/ 301. و إعلام الموقعين 2\ 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت