الصفحة 23 من 26

المرتبة، والاسترقاء يقدح في المنزلة ما استرقى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا رقى، ولا داوى، ولا تداوى، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم: (هم الذين يسترقون) الحديث ففيه ثلاثة تأويلات:

-التأويل الأول: هم الذين لا يسترقون بالتمائم كما كانت العرب في الجاهلية تفعل.

-التأويل الثاني: هم الذين لا يسترقون عند اليأس، كما فعل الصديق - رضي الله عنه -.

-التأويل الثالث: هم الذين لا يسترقون قبل حلول المرض [1] .

ثم قال بعد هذا: وإنما يترك التطبب كما قلنا في حالتين: قبل الداء وسببه، وعند اليأس كما فعل الصديق [2] .

فهو بنى التأويل الثاني على أن الحديث أرشد إلى ترك الاسترقاء والاستطباب عند اليأس، واستدل على ذلك بما جاء عن سيدنا أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - أنه عرض عليه التداوي في مرض موته فأعرض عنه قال أبو السفر: دخلوا على أبي بكر في مرضه فقالوا: يا خليفة رسول الله ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟ قال قد نظر إلي. قالوا: ماذا قال لك؟ قال: إني فعال لما أريد [3] .

ويرى ابن العربي ومن وافقه من العلماء أن سبب إعراضه - رضي الله عنه - اليأس من نفع العلاج بالنسبة له، وأن ترك التداوي في هذه الحالة أولى من فعله، وأنها من الحالات التي يرشد الحديث إلى ترك الاسترقاء والاستطباب فيها، وهذا رأي وجيه إذ من المعلوم أن الوسيلة إذا لم يترتب عليها مقصدها لم تشرع.

وعليه فإن المريض الميؤوس من حياته المقطوع بعدم نفع الدواء له يكون الترك في حقه أولى، وإذا لم يكن في حقه أولى فلا أقل من أن يكون جائزا إذ لم نجد من يقول بوجوب التداوي في هذه الحالة، ولم نجد دليلا يرشد إليه، والأصل في

(1) ابن العربي: المسالك في شرح موطأ مالك: (7/ 453) ط.

(2) المرجع السابق.

(3) ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة: (3/ 324) ، دار الكتب العلمية - بيروت والطبقات لابن سعد: (1/ 141) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت