الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحابته أجمعين، وبعد:
فإن الطب من العلوم التي يبتغى بها وجه الله وتنفع المؤمن في حياته وقد شرع الله الاستفادة منه، فأذن سبحانه وتعالى على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - في التداوي، فبحث العلماء في هذا الموضوع واختلفوا فيه، فمنهم من قال إن التداوي جائز مطلقا، ومنهم من قال جائز بشيء، مكروه بشيء ومنهم من قال جائز بشيء، مندوب بشيء ومنهم من قال إنه مندوب مطلقا، ومنهم من قال إنه مكروه، ومنهم من قال إنه واجب إذا علم نفعه، وخيف بتركه الهلاك، ولم يقل أحد بوجوبه إلا في هذه الحالة التي يمكن أن يعتبر تركه فيها تفريطا في النفس الواجب حفظها.
أما إذا كان ميؤوسًا من حياة المريض، وميؤوسًا من نفع الدواء له فالأولى تركه لأن التعلق بالدواء في هذه الحالة من التوغل في الأسباب المنافي للتوكل، وإذا كان الأولى تركه ابتداء فإنه يجوز إيقافه بعد الشروع فيه لأنه لم يقل أحد بوجوبه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجبا فمعنى ذلك أنه جائز الفعل وجائز الترك اللهم إلا إذا كان تركه يترتب عليه الموت العاجل، وتعاطيه معلوم النفع في الحياة ولو يوما أو ساعة واحدة فلا يبعد أن يقال بعدم جواز إيقافه اعتمادا على ما تقدم من القول بالوجوب لأن قليل الحياة تجب المحافظة عليه كما تجب على كثيرها، ولذلك قال العلماء فيمن أيقن بالموت على كل حال سواء انتقل من هذا السبب إلى غيره أو بقي عليه إنه يجب عليه الانتقال إلى السبب الذي يرجو معه بقاء الحياة بقاء أطول ولو بساعة لأن المحافظة على الحياة واجبة ما أمكن ذلك.