الصفحة 12 من 38

أهل اللغة أنه يصدق قول من قال: (مسحت الثوب أو بالثوب. أو مسحت الحائط أو بالحائط) على مسح جزء من أجزاء الثوب أو الحائط وإنكار مثل هذا مكابرة. [86]

ومثل هذه الحجة قال بها محيي الدين الدرويش (من المحدثين) فقال:"وليس في اللغة ما يقتضي أنه لا بد في مثل هذا الفعل من مسح جميع الرأس، وهكذا سائر الأفعال المتعدية , نحو: اضرب زيدًا أو اطعنه أو ارجمه , فإنه يوجد المعنى بوقوع الضرب أو الطعن أو الرجم على عضو من أعضائه [87] ."

ونحسب القاسمي ومحيي الدين الدرويش مما ساقاه من أمثلة لا يؤكدان تلك القيمة التبعيضية المتأتيّة من الباء، وإنما احتمال البعضية من خلال الأفعال نفسها التي دلت في واقعها المنطقي تلك المجازية في إطلاق كل الشيء وإرادة بعضه، ففي مثال القاسمي (على سبيل التمثيل لا الحصر) :"مسحت الثوب أو بالثوب، ومسحت الحائط أو بالحائط) يدل على أنه لا فرق بينهما في احتمالية البعضية، فالتبعيض من خلال حجتيهما لا أراه آتيًا من الباء."

إلا أن السمرقندي حاول أن يفرّق بين الاقتران بالباء وعدمه، فاعتبر أن مسحت برأسه يحتمل أن يكون الممسوح بعض رأسه وكله، وإذا سقطت الباء يدل على مسح بعضه، معللا ذلك أن (على) داخلة فيه أي مسحت على رأسه [88] .

ولا نعدم من حجة أخرى تبيّن الفرق بين وجود الباء وعدمه متمثلًا بقول الرازي:"حجة الشافعي أنه لو قال: مسحت المنديل، فهذا لا يصدق إلا عند مسحه بالكلية، أما لو قال: مسحت يدي بالمنديل فهذا يكفي في صدقه مسح اليدين بجزء من أجزاء ذلك المنديل" [89] وإلى ذلك أيضًا ذهب القيرافي، فاعتبر أن هذه باء الاستعانة التي تدخل على الآلات، وأن المعنى: امسحوا أيديكم برؤوسكم. [90]

وقد فسر بعضهم الباء للآلة تأييدا ًلما ذهب إليه أبو حنيفة من مسح ربع الرأس، وذلك لماّ دخلت الباء على الرؤوس (وهي الممسوحة) بدل دخولها على آلة المسح (وهي راحة اليد) فكان مخالفة هذا الظاهر دليلا ًعلى نزول الرأس منزلة آلة المسح، بأن توضع اليد على الرأس وتحرّك فنكون بذلك مسحنا اليد بالرأس فتمسح الناصية المقدرة بربع الرأس [91]

إلا أن حجة مسح اليد بالرأس وجدت معارضة من قبل أبي حيان وابن جزي؛ لأن الرأس أصبح بذلك أداة للمسح، ولم يعد هو الممسوح، وكأن الفرض تغيّر هنا من مسح الرأس إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت