الصفحة 11 من 38

ولم يقصر الذين ذهبوا إلى أن غسل بعض الرأس يجزئ قولهم على أن معنى الباء للتبعيض، وإنما رأوا أن الباء قد تفيد معاني أخرى كالاستعانة والإلصاق تأييدًا لإفادة الباء تبعيض الرأس، فمن الإلصاق الذي دخل في معنى التبعيض نلمحه في قول الزمخشري:"المراد إلصاق المسح بالرأس بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه [77] ."

فهنا يتبين بأن الزمخشري يدخل في معنى الإلصاق التبعيض، وقد يكون هذا قريبًا من الذي ذهب إليه سيبويه من دخول معنى الإلصاق في كل معاني الباء، فكأن الباء أصبح لها في الوقت الواحد معنيان.

إلا أن أبا حيان يرفض ما ذهب إليه الزمخشري من صحة إطلاق ماسح بعضه بأنه ملصق المسح برأسه، وإنما هو ملصق المسح ببعض رأسه، فإن أطلق فيراه عندها على سبيل المجاز [78] .

وينكر أكثر النحويين كون الباء للتبعيض [79] ، حتى قال العكبري:"وقال من لا خبرة له بالعربية الباء في مثل هذا للتبعيض وليس بشيء يعرفه أهل النحو" [80] . وعلّق السمين الحلبي في (الدر المصون) لدى إعرابه الآية على قولهم الباء للتبعيض:"وهذا قول ضعيف" [81] وردّ ابن جزي تفسيرها بالتبعيض، ووصف ذلك أنه غير صحيح عند أهل اللغة [82] . وقد أنكر سيبويه كونها للتبعيض في خمسة عشر موضعا ً من كتابه [83] .وينفي المحققون من أئمة العربية كون التبعيض معنى مستقلا ًلها [84] . إلا أن بعضهم قواه معتبرًا أنها إذا دخلت على فعل متعد بنفسه فهي للتبعيض، فإذا دخلت على لازم فهي للإلصاق. [85]

ونحسب هذا الضعف في تفسير مجيء الباء للتبعيض هو الذي دفع بعضهم إلى تفسيرها بالإلصاق مع التبعيض كما قال الزمخشري، وهو الذي دفع بعضهم لتفسير التبعيض عن طريق الآلة والاستعانة للوصول إليه (كما سيأتي تفسيره لاحقا) .

وقبل عرض من قال بالآلة للوصول إلى التبعيض سنعرض أقوالا متماسة معه، فمن ذلك ما قاله القاسمي نقلًا عن (الروضة) :"ولا يخفى أن الآية لا تفيد إيقاع المسح على جميع الرأس. كما في نظائره من الأفعال. نحو: ضربت رأس زيدٍ، وبرأسه: ضربت زيدا ًوضربت يد زيد. فإنه يوجد المعنى اللغوي في جميع ذلك، بوجوب الضرب على جزء من الأجزاء المذكورة. وهكذا ما في الآية ... فإن قلت: إن المسح ليس كالضرب الذي مثلت به. قلت: لا ينكر أحد من"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت