الصفحة 11 من 27

دعوى الإجماع غير متيقن، بدليل وجود المخالف من التابعين ومن بعدهم [1] وقد روى عن ابن عباس [2] خلاف ذلك فكيف يقال إن هناك إجماعًا سكوتيًا؟! ولو سلمنا بأن هناك إجماعًا سكوتيًا فليس بحجة؛ لأنه لا ينسب لساكت قول، ولا نتقول على أحد قولًا لم يقله فالْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ َْهُوَ ْقَوْلُ مِنْ بَعْضِ العلماء وَسُكُوتُ الْبَاقِينَ بَعْدَ انْتِشَارِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ مَعَهُمْ اعْتِرَافٌ أَوْ رِضًا بِهِ فقال قَوْمٌ: إذَا انْتَشَرَ وَسَكَتُوا، فَسُكُوتُهُمْ كَالنُّطْقِ حَتَّى يَتِمَّ بِهِ الْإِجْمَاعُ، وهذا ْقَوْلُ أحمد بن حنبل وأكثر أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي والجبائي إلى أنه إجماع وحجة لكن من هؤلاء من شرط في ذلك انقراض العصر كالجبائي .. ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ حُجَّةٌ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ،،وهوقول أبى هاشم وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَلَا إجْمَاعٍ حُكِيَ عَنْ دَاوُد وَابْنِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى، وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ"، وَعَزَاهُ جَمَاعَةٌ إلَى الشَّافِعِيِّ، مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَاخْتَارَهُ، وَقَالَ: إنَّهُ آخِرُ أَقْوَالِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ"، وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ، وَالْآمِدِيَّ: إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: وَلَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ، أى لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ تَعْيِينُ قَوْلٍ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ يَحْتَمِلُ التَّصْوِيبَ، أَوْ لِتَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ أَوْ الشَّكِّ، فَلَا يُنْسَبُ إلَيْهِ تَعْيِينٌ، وَإِلَّا فَهُوَ قَائِلٌ بِأَحَدِ هَذِهِ الْجِهَاتِ قَطْعًا، ثُمَّ هَذَا بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، أَعْنِي أَنْ لَا يُنْسَبَ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ إلَّا بِدَلِيلِ عَلَى أَنَّ سُكُوتَهُ كَالْقَوْلِ أَوْ حَقِيقَةٍ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ عَدَمٌ مَحْضٌ، وَالْأَحْكَامُ لَا تُسْتَفَادُ مِنْ الْعَدَمِ، والراجح من أقوال العلماء هو القول الثالث لقوة أدلته، وضعف أدلة المخالفين، وممن نصر هذا الرأى الغزالى في المستصفى فقال: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ فَتْوَاهُ إنَّمَا تُعْلَمُ بِقَوْلِهِ الصَّرِيحِ الَّذِي لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالٌ وَتَرَدُّدٌ، وَالسُّكُوتُ مُتَرَدِّدٌ فَقَدْ يُسْكَتُ مِنْ غَيْرِ إضْمَارِ الرِّضَا لِسَبْعَةِ أَسْبَابٍ: ... الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ فِي بَاطِنِهِ مَانِعٌ مِنْ إظْهَارِ الْقَوْلِ، وَنَحْنُ لَا نَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَظْهَرُ قَرَائِنُ السُّخْطِ عَلَيْهِ مَعَ سُكُوتِهِ. ...

(1) - انظر: المحلى 1/ 83.

(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبى 17/ 226، نيل الأوطار للشوكانى 1/ 261.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت