لكن لفساده لم يصلح الله عمله، بل رأيناه يضيع تلك القوة عبر مغامراته العسكرية الفاشلة التي أشرنا إليها، وما رأيناه استخدمها ضد أعداء الأمة من الصهاينة في فلسطين المحتلة مثلًا، مع أنه كان قبل دخوله الكويت يهدد بأن عنده سلاحًا كيماويًا قادرًا على تدمير ثلث إسرائيل، وكانت سفارات العراق توزع كتابًا ينقل عن بعض نصوص العهد القديم أن آشوريًا سيستخدمه الرب في القضاء على الشعب اليهودي وأنه سيحتل نصف إسرائيل في أول أيامه، وكان البعض يتأول ذلك الآشوري على أنه صدام حسين، ويتوقع - في سذاجة - أن يتوجه صدام حسين بجيشه لتحرير فلسطين، لكنَّه لم يفعل، بل توجه إلى الكويت موهمًا أولئك السذج أن الطريق إلى القدس يمر عبر الكويت.
ثم لما فشلت مغامرة دخوله الكويت؛ رأيناه يقبل في ذلة كل ما يُملى عليه، ولقد كنا يومها نعتبر أن مجرد قبوله بتدمير أسلحته والسماح لمفتشين دوليين بالتفتيش على تلك الأسلحة هو شيء في غاية الإذلال، ولكن مع مرور الوقت صار ذلك شيئًا عاديًا، وذلك ما جعله في هذه الأزمة الأخيرة يواصل سياسة تقديم التنازلات؛ فقد قبل عودة المفتشين بلا شرط ولا قيد، ووافق على تفتيش القصور الرئاسية، وقدم تقارير مفصلة بلغت آلاف الصفحات حول برامج تسليحه، ثم وافق على استجواب العلماء العراقيين ذوي الصلة ببرامج التسلح العراقي داخل العراق، ثم لم يمانع في استجوابهم خارج العراق، ودمر بنفسه صواريخه بعد أن كان يرفض ذلك، ثم وافق - بل طلب - أن يأتي ضباط من المخابرات المركزية الأمريكية ليرشدوا فرق التفتيش على ما تعتقد أمريكا أنه أماكن يخبئ فيها العراق أسلحته.
ومع ذلك كانت النهاية ما هو معلوم.
ولقد قلت في مقال نشر منذ شهور: (إني لست أظن صدامًا من السذاجة بحيث يتوقع أن تنازلاته تلك ستوقف دوران عجلة الحرب، ولكنه الخذلان الذي يأبى الله إلا أن يصيب به من خذله وعصاه) .
وأنا اليوم أشد تمسكًا بهذا الذي قلته، بعد هذا الذي رأيناه من إصرار بوش وتابعه بلير على الحرب، رغم المعارضة الدولية الواسعة التي كانت ترى أنه لا مبرر لتلك الحرب، لأن العراق قدم كل ما طلب منه، وفرق التفتيش لم تجد أثرًا لأسلحة الدمار الشامل التي كانوا يبحثون عنها.