فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 394

حثثنا الخطى وامتطينا المطايا، حتى قدِمنا المسجد، وإذا الجموع من كل حَدَبٍ نَسَلوا؛ ومن كل صَوْبٍ نَزَلوا، زُرافاتٍ ووحدانًا، فاصطفُّوا للصلاة عليه، فتذكرت اصطفافَهم للسلام عليه، صَوَّبت النظر إلى من حضر، فإذا الكل ينظر كالرَّقوب، وكأن المُقدَّم يوسفُ والمصلين يعقوب، يتناظرون وقلوبهم من هَوْلِ ما حَلَّ تَقْشَعِر، ونفوسهم من عِظم ما نزل بين الضلوع لا تَستقر، فالدمع على الخدين واكِف، والحُزن على القلوب عاكف، للرُّزْءِ الهاجِم، والبلاء الشَّنيع الكالِم .

فيا لها حسرة ما أنكاها للنفوس الزكية، وجمرة ما أذكاها في القلوب الأبيَّة، وروعة ما أَفَتَّها في قَوِىِّ الأعضاد، ولَوعة ما أحرَّها على غَضارف الأكباد .

من ذا أعزي فيك من هذا الورى …لم يلقني إلا بحزنك لاقِ

والناس محزونون فيك كأنما …كان اتفاقهم على إصفاقِ

وتخلَّل تلك الجموع الكثيرة، بعض الوجوهِ الحقيرة، جاؤوا مستبشرين، لأن الأسدَ فارقَ العَرِين، ولم يعلم هؤلاء الأنذال، أن الضِّرْغَمَ خَلَّفَ الأشبال، وسوف تَسْقيْهِم بحول الله كأسَ الوَبال، وأن موتَ الشيخ رحمه الله بدايةُ صَولاتهم، وأنَّ انقطاعَ صوته مُؤْذِنٌ بِرفع أصواتهم .

إذا ثبت الماء المَعين بحالِهِ … فليس نَكيرًا أن تَفيضَ الجداولُ

وفي الخَيس أشبالٌ تَرَشَّحُ للعِدا … وأراؤك الحسنى مواضٍ فواضلُ

ومع أن الطغاة لوفاة الشيخ نَعموا، ففي رؤيتهم للجموع رُغموا، ولْيَعلَم الشامتُ الحقود؛ والفرِح الكَنود، مع أننا فقدنا حديقةَ عِلْمٍ صُوِّحَت، وصحيفة محاسن دَرَسَت وانمَحَت، إلا أن هاجِمَ الكَرْب وإن كَلَحَ وَجَلَح، وواقِعَ الخطب وإن طَمَحَ وَجَمَح، لا يَهزُّنا، فلا يَتَضَعْضَعُ منا لهول هذه الصدمة جَلَد، ولا يَتَرَوَّعُ لِظُلْمَتها خَلَد .

فقد فارق الناس الأحبة قبلنا … وأعيا دواء الموت كل طبيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت