لقد عجز البعض عن استيعاب ما في سياسة هذا القائد من حكمة ونظرة بعيدة، ولم يستوعبوا إلا تلك النظرة القريبة الطافية على السطح التي يروج لها قريب النظر .. والتي من خلالها يمكنه المزايدة على مواقف القادة الحكماء .. ولا غرابة أن يكون معلم الكتاتيب أكثر قدرة على التواصل مع الصبية من كبار العلماء .. !
وصدق المتنبي حين قال:
وتكبر في عين الصغير صغارها .. وتصغر في عين العظيم العظائم
إن هذا الانزواء عن أصحاب النظرة البعيدة والجمود على النظر القريب القاصر هو الذي جعل المسلمين يوم الحديبية يرفضون أمر النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الأمر .. ! ولك أن تتخيل مدى الفتنة بهذا الأمر، الذي جعل الصحابة رضي الله عنهم لا يبادرون الاستجابة إلى أمر النبي صلى الله عليه وسلم!!
قد تُنكر العينُ ضوءَ الشمسِ من رمدٍ ... وينكرُ الفمُ طعمَ الماءِ من سَقَمِ!
عجبت لهم يا شيخنا الهمام، إذ جهلوا مقامك وانت ابن الملمات والأيام، مجرب للحرب خبير بها عليها مقدام .. مرير شديد القلب رابط الجأش لا كهام، غلثٌ شديد القتال، لا تقرع لك العصا ولا تُقَلْقَلُ لك الحصا، عفت الشهوات وجبت الفلوات، وحالفت الأسفار وعالجت القفار، وركبت ظهْري البرّ والبحر، وعرفت حالي الخير والشر، وذقت طعمي الحلو والمر، فكنت كما قال ابو تمام:
وغربتُ حتى لم أجد ذكر مشرق ... وشرقت حتى قد نسيت المغاربا.
حلبت الدَّهر أشْطُره، وشربت أفاويقه، جذلُ حِكَاكٍ، منجّد مجرب حُوَّلٌ قُلَّبٌ للأمور، وقور ساكن الرّيح، داهية صِلُّ أَصْلاَل وهِتْرُ أَهْتَارٍ، نهيكٌ شجاع جريء.
ولئن كان حب الأنصار آية الإيمان لأنهم نصروا الدين، فأشهد يا شيخنا أن حبك آية الإيمان لأنك نصرت الدين ..