والحقيقة أن البشر لا يتسامى إلا بتحقيق بشريته، أما محاولة التسلق إلى الأفق الملائكي فهي محاولة عبثية وعرض من أعراض الخلل الفطري على شاكلة من يتعبد لله بترك الزواج!
ولربما أصبح بعض هؤلاء اليوم يرفع شعار: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر!
صحيح أن المسلم مأمور بالعفو ومطالب به ولكن العقوبة والأخذ بالحق لها محل ومقام، والعفو والصفح له محل ومقام.
كما قال الشاعر:
أرى الحلم في بعض المواطن ذلةً ... ... ... وفي بعضها عزًا يسود فاعله
وبيان ذلك أن لله تعالى أمر بالانتصار والأخذ بالحق فقال تعالى في وصف المؤمنين: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} .
وأمر بالعفو والصفح فقال: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} .
ولا تعارض بين الآيتين بل لكل منهما محله ومقامه.
فالمقام الأول: حين يكون الظلم قائما والظالم متماد في غيه وعدوانه فيجب على المظلوم مواجهته وصد عدوانه ورفع الظلم عن نفسه حسب قدرته لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} .
قال الشوكاني:
( {والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغى هُمْ يَنتَصِرُونَ} أي: أصابهم بغي من بغى عليهم بغير الحق، ذكر سبحانه هؤلاء المنتصرين في معرض المدح كما ذكر المغفرة عند الغضب في معرض المدح؛ لأن التذلل لمن بغى ليس من صفات من جعل الله له العزة حيث قال: {وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8] ، فالانتصار عند البغي فضيلة، كما أن العفو عند