بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.
المساجد بيوت الله في الأرض، و أحب البقاع إليه، وهي ملتقى الصالحين، ومنارة الهدى للتائهين، وفيها تهبط الرحمات، وتتنزل السكينة والبركات، وتقام العبادات والقربات، و يردد التكبير والسبحات ..
قال الإمام أبو العباس القرطبي: ("أحبّ البلاد إلى الله مساجدها"أي أحب بيوت البلاد، أو بقاعها، وإنما كان ذلك لما خُصَّت به من العبادات، والأذكار، واجتماع المؤمنين، وظهور شعائر الدين، وحضور الملائكة) . [1]
وفي المساجد تنهل النفوس الظامئة من معين الهدى، وتقتات على مائدة العلم والحكمة والإيمان ..
وهي منبع رسالة الإسلام، ونشر تعاليمه وتبليغ منهجه، فكم اهتدى فيها من ضال، وكم تخرج منها من عالم صادع بالحق، ومجاهد بطل مغوار، وكريم منفق في سبيل الله.
وقد نوه الله تعالى بمنزلتها ومكانتها فقال: {فِى بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والأصال} [النور: 36] .
ولما كانت المساجد بهذه المنزلة العظيمة كان واجبا على كل مسلم محبتها وتقديرها واحترامها والنظر إليها بعين التعظيم والإكرام، فالمساجد من شعائر الله، وتعظيمها من تعظيم شعائر الله وتعظيم حرماته. وقد قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} [الحج: 30] ، وقال: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] .
قال العلامة السعدي -رحمه الله-: (فتعظيم شعائر الله صادر من تقوى القلوب؛ فالمعظم لها يبرهن على تقواه، وصحة إيمانه؛ لأن تعظيمها تابع لتعظيم الله وإجلاله) .
كان السلف يعظمون حرمات الله تعظيما شديدا حتى إن بعضهم كان يستنكر تصغير أي اسم ورد في القرآن غير مصغر!
سمع سعيد ابن المسيب من ينشد بيتا لعمر بن أبي ربيعة يصف فيه الليل ويقول:
وغاب قمير كنت أرجو غيابه ... وروح رعيان ورقد سمر
فقال سعيد بن المسيب: قاتله الله! صغر القمر والله عظمه في القرآن فقال: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس:39] وقد قال تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج:30] .
وقد نبه الله تعالى على وجوب تعظيم المساجد في قوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور:36] أي: ترفع حساً ومعنىً، بإعلاء مكانتها في القلوب، وتمييزها عن سائر البقاع حتى تصبح أقدس الأماكن عند الناس ..
ولهذا نص أهل العلم على منع كل ما قد يكون سببا في امتهان المساجد أو النيل من حرمتها، وبالغوا في ذلك حتى منعوا اتخاذ الآبار في المساجد.
قال ابن نجيم:
(ولا يتخذ في المسجد بئر ماء لأنه يخل بحرمة المسجد) . [2]
ثم إن الله تعالى جعل حماية المساجد والدفاع عنها من أهم مهمات الجهاد ومن أعظم
(1) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (6/ 81) .
(2) البحر الرائق (4/ 178) .