فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 459

مقاصده، و بين ذلك القرآن في قوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 40]

قال العلامة السعدي تعليقا على هذه الآية:

(ودل ذلك على أن البلدان التي حصلت فيها الطمأنينة بعبادة الله، وعمرت مساجدها، وأقيمت فيها شعائر الدين كلها، من فضائل المجاهدين وببركتهم، دفع الله عنها الكافرين) . [1]

لقد كانت المساجد هي البيوت التي يتربى فيها المجاهدون، ومنها إلى ساحات الجهاد ينطلقون، فيدكون معاقل الشرك والوثنية ويقتلون ويقتلون.

وكان المجاهد الذي تربى في المساجد يشعر بحرمتها ومنزلتها العظيمة وتثور ثائرته وهو يرى أعداء الله يدنسونها وينتهكون حرماتها بإغلاقها في وجه المصلين أو بمنع الوعظ والإرشاد فيها، أو باعتقال المصلين أو رميهم بمسيلات الدموع ..

أما اليوم فقد ظهر قوم ينسبون أنفسهم إلى الجهاد وهم لا يقيمون وزنا لبيوت الله ولا يرعون لها حرمة، ولا يجدون حرجا في هدمها وتخريبها بدلا من حمايتها وتشييدها!

وهم لا يستهدفون المصلين بالاعتقال أو بمسيلات الدموع كما يفعل الكثير من جند الطاغوت، بل يستهدفونهم بالقتل والإبادة!

ولا يستهدفون المساجد بالإغلاق أو منع النشاط الدعوي فيها، بل يستهدفونها بالنسف والتفجير!

كأنهم غرباء على المساجد لم يعرفوها ولم يألفوها!

أو كأن بينهم وبينها ثأرا قديما!

إنه لمن عمى البصيرة أن يلتبس على بعض الناس ما تجب محاربته من أماكن الشرك والتنديد بما يجب تعظيمه وحراسته من أماكن العبادة والتوحيد!

ومما يدعوك للدهشة أن ترى بعض الحكام المبدلين لشرع الله يقرون بوجوب تعظيم المساجد وتوقيرها ويحاولون دائما أن يظهروا بمظهر الحامي لها والمدافع عنها .. وفي الوقت نفسه ترى بعض من ينسب نفسه إلى الجهاد يتخذها غرضا لأهدافه، ولا يقيم لها حرمة ولا يرعى لها منزلة!

أليس من العجب أن يظهر الحكام المبدلون لشرع الله أكثر حرصا على تعظيم شعائر الله من بعض المنتسبين إلى الجهاد؟

إن هؤلاء الذين خيل إليهم أن تفجير المساجد قربة وطاعة لله، وجهاد في سبيل الله، لم يتأملوا قول الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114]

فظاهر هذه الآية بين في أن السعي في تخريب المساجد من أعظم الذنوب وأشنعها، وأنه لا أحد أظلم ولا أشد جرما، من الساعي في خراب المساجد.

وقد بين أهل العلم أن الخراب المذكور منه ما هو حسي كالهدم، ومنه ما هو معنوي كمنعها من أداء وظيفتها.

قال الإمام القرطبي في تفسيره:"خراب المساجد قد يكون حقيقيا كتخريب بختنصر"

(1) تفسير السعدي (ص: 539)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت