إن المفهوم الشرعي للحكم بما أنزل الله الذي يدور النقاش حوله والذي يعتبر الإخلال به من طرف الحاكم عملا مكفرا يوجب الخروج عليه ينحصر في تطبيق الحدود والقضاء بين الناس في مسائل النزاع، ولا يدخل فيه أداء حق الرعية وإصلاح شؤونهم وإن كان ذلك واجبا على الحاكم.
يدل على ذالك أمران:
الأول:
أن الحكم بما أنزل الله لم يرد في النصوص الشرعية إلا في سياق الحديث عن الحدود أو القضاء بين الناس.
كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} .
وقال: {إنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}
وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} .
وقال: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} .
وقال: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
الثاني:
أن القرآن الكريم وصف تارك الحكم بما أنزل الله بالكفر دون ذكر تفصيل أو استثناء.
وهذا يعني أنه لا يندرج تحت مفهوم"الحكم بما أنزل الله"إلا ماكان من المسائل المكفرة وهي ما ذكرنا ..
فلا يدخل في هذا المفهوم تلك الأمور الواجبة على الحاكم والتي تعتبر مخالفتها فسقا لا كفرا.
وبما أنه لا مشاحة في الاصطلاح فسوف نعتبر أن"الحكم بما أنزل الله"كلمة عامة تشمل كل ما يقوم به الحاكم من الأوامر الشرعية التي أوجب الله عليه في سياسته للرعية.
وعندئذ فلا بد من التنبه إلى أن هذه الأوامر ليست على مرتبة واحدة فمنها ما يعتبر الإخلال به كفرا مخرجا من الملة يوجب الخروج على الحاكم مثل الحدود والقضاء بين الناس في مسائل النزاع.
ومنها ما يعتبر الإخلال به فسقا ومعصية لا يوجب التكفير ولا يشرع معه الخروج مثل ظلم الرعية والتقصير في حقها والاستئثار بالمال دونها.