يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا
فظاهر هذا الكلام المدح بالحلم والعفة، ولكن المقصود هو ذمهم بكونهم في غاية الذل وعدم المنعة لأنهم وضعوا هذا الحلم في غير موضعه.
فهو حلم لا خير فيه ولا تحمد عقباه كما قال الشاعر:
ولا خيْرَ في حِلمٍ إذا لم تكُنْ له ... بوادرُ تحمي صَفوَهُ أن يُكَدّرا
إن إباء الضيم ورفض الظلم من خصال النفوس الكريمة والغرائز النبيلة، وفي ذالك يقول: أبو القاسم الزمخشري (المتوفى: 538 هـ) :
(الكريم إذا ريم على الضيم نبا، والسري متى سيم الخسف أبى. والرزين المحتبي بجمالة الحلم، ينفر نفرة الوحشي عن الظلم. إشفاقًا على ظفره أن يقلم، وعلى ظهره أن يكلم. وقلما عرفت الأنفة والإباء، في غير من شرفت منه الآباء. ولا خير فيمن لم يطب له عرق، وذنب الكلب ما به طرق .. ) أطواق الذهب في المواعظ والخطب ,ص: 9
وقال حيدر بن سليمان الحلي:
للضيم في حسب الأبيّ جِراحة ... هيهات يبلغ قعرها المسبار
كان العرب يعيرون كل من يرضى بالظلم ويقبل الضيم ويعتبرون ذالك مسبة وعارا؛ كما قال لبيد بن ربيعة العامري مخاطبا بعض بني عمومته الذين تركوا الأخذ بثأرهم خشية الحرب:
لشَتّانَ حَرْبٌ أوْ تَبُوءُوا بخِزْيَة ... وَقد يَقبَلُ الضَّيمَ الذَّليلُ المُسَيَّرُ
وقال آخر:
وما الناس إلا ما رأوا وتحدثوا ... وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا