انظر إلى الأعمال والقراءات والتحصيلات من العلوم، وانظر إلى آثارها على النفوس؛ الفاعلة والقابلة، من عمل ومن علم علّم الآخر، ترى أن الرجل عالم نفس عظيم، وصاحب نظر وملاحظة، وهكذا كان الشافعي، صاحب فراسة، نور الله قلبه، وأبان له من علوم القلوب ما يغبط عليه.
(من تعلم القرآن عظمت قيمته) : هذا القرآن عظيم، ومن تعلق بالعظيم صار عظيمًا، والنفوس تعلم ما حملت من العلم، فتثقل بثقل العلم، وتوزن بميزان ما في صدورها، وهذا الذي قاله الإمام يعرفه كل واحد من نفسه، حين يقال له: فلان حافظ، فكيف إذا ازداد فوق الحفظ علمًا به، فحينها تعلم أي معنى يقع في قلوب الناظر إليه!
أعرف أحدهم كان يقول وقد خاطب رجلًا حفظ كتاب الله في السجن، وقد حاول خارج السجن أن يحفظ كتاب الله ويتمه فما استطاع، فتكلم يومًا مع رجل سجن عشر سنوات، وحفظ كتاب الله في أول سجنه، فقال له: والله إني على استعداد أن أسجن عشر سنين وأحفظ كتاب الله تعالى.
إن الحافظ، والعلم لكتاب الله تراه العيون عظيمًا، وهو في ميزان الله تعالى إن أخلص كذلك، ويكفيه ما قاله الحبيب المصطفى عنه: (يقال يوم القيام لصاحب القرآن اقرأ وارتق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها) [1] .
والله يقول عن مكان هذا الكتاب: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} فصدور القراء هي مكان هذا الكتاب، والشيء الجليل، لا يكون إلا في مثله، ويعظم المكان بكونه محلًا العظيم.
(1) رواه الترمذي وأبي داود وصححه الألباني وأحمد شاكر وغيرهما.