ونعمل القواعد لنوازل ما يقع لنا، فهذا مقدار ما نحن عليه مع علوم هذا الرجل العجيب.
لقد ظلم أئمتنا في عصرنا رجلان: مقلد لهم بلا معرفة مدارك كلامهم وأصولها، وعائب عليها وهو على معنى المقلد لها بالجهل والغباء، فهذا صارخ بالأتباع بلا عقل، وهذا منفر عنه بلا عقل، وكلاهما في الجهل سواء، وهذا المعنى أشار إليه الإمام الناقد المحدث الفقيه ابن رجب فقال:"ولدقة كلامه في ذلك -أي ابن حنبل- ربما صعب فهمه على كثير من أئمة أهل التصانيف ممن هو على مذهبه، فيعدلون عن مآخذه الدقيقة إلى مآخذ أخر ضعيفة، يتلقونها عن غير أهل مذهبه، ويقع بسبب ذلك خلل كثير في فهم كلامه" [1] .
لا أحد يطلب التقليد بلا علم وفهم، وكذلك لا أحد يقبل الطعن بجهل ما يعرض عليه، فكلاهما في الشر سواء.
كنت أعجب من قول ابن خزيمة وقد سئل: هل تعرف لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتبه؟ قال:"لا" [2] .
فأردها عن جهل بطرق علوم هؤلاء القوم مع العلم، ومع التصنيف فيه، حتى قرأت كلمة الإمام مسلم في منهج الشافعي في كتبه، فاستغفرت من ذنب الجهل، وهو لازم للعبد [3] ، وإن شاء الله سأشرح هذه القطعة في كلام قادم بتيسير الله وفضله.
وهاهنا الآن كلمات له تدل على أثر العلوم ونوعها على أصحابها، وكيف تؤثر هذه العلوم على مساقات النفس والعقل، وهي كلمات رجل خبير في الحياة، يراقب ويلاحظ، ويسجل، ويجمع المعاني لبعضها بطريقة حكيمة.
(1) من كتابه: الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة الموجود في مجموع رسائل ابن رجب (2/ 630) .
(2) طبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير الدمشقي (1/ 101) .
(3) أنصح طالب العلم أن يعود لها -أي كلمة الإمام مسلم في الإمام الشافعي وطريقة كلامه في الفقه- وهي في كتاب الإمام البيهقي في كتاب بيان خطأ من أخطأ على الشافعي، ص 332 - 333.