فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 103

سئل عن حسناته عدها كما ينشط لعد خلافه معه، وهذا منا يكاد يذهب في أيامنا هذه بين المتخاصمين، إذ لا تجد إلا السباب، وتقفر العورات والعثرات، وكشف السر الذي جرى بينهما أيام الصفاء، ثم يزعمون بعد ذلك أنهم تخاصموا في الله!

ثم إن من علائم صدق المرء مع الله في الخلاف هو الوقوف عند بيانها والتنبيه على الخلاف ثم يمضي كل إلى حاجته، وما ينفعه، فيذكر الخلاف، ولا يقف المرء عنده كآن الدنيا لا يوجد فيها إلا هذه المسألة أو هذه القضية، ومن تفكر في طرق العلماء في الردود والمناظرات رأى سرًا عجيبًا، وهو أن يقول كل واحد كلمته، ثم ينتهون، ويمضي كل إلى ما يوجبه الوقت والحاجة من العلم وغيره، واليوم تجد الواحد مشغولًا بخصمه، شاغل الناس بما بينهما، يرد هذا، ويقابله الآخر، ويأتي المحرشون ليزيدوا أوار الخلاف، لتزداد متعتهم بمشاهدة صراع الديكة، وفساد الدين بينهما، وهما في غفلة عن الدين الذي يهدم في القلوب، والوقت الذي يمضي في غير ذكر لله وقراءة قرآن وحصول نفع ونصح.

ثم أنت تشاهد الرجل وقد ملأ عينك بعلمه أو حسن ذكره للعلم، أو حسن دينه ولفظه، فإذا دخل في الخصومة ولج فيها، وتطاول الأمر بينه وبين خصمه سقط من عين الناس، وصار له الذكر السيء، وهذا من ذهاب المروءة، وإفسادًا لما أمر الله من طلب الستر والعافية.

ولذلك ينصح المرء أن لا يرد على سفيه، ولا جاهل، مهما تطاول في السب، ومهما لج الجاهل في الخصومة، بل الواجب تركه، فإنه إن رددت عليه، وخاصمته هزمت، وأصاب منك ما تكره، ولم ينتفع بما تقوله لك، وستجد من الخصوم لك من ينصره لا للحق، ولا لعدل العلم بل لكرهه لك، وحينها يظن الجهلة وهم كثيرون أنه مصيب وأنت المخطئ، وخاصة في زمن انتشار الجهل والخصومة والحسد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت