حتى يخرج عن حد الحكمة العملية، والتي توجب معرفة حاله، وذلك بأن يغير إذا ثبت له خطأ قول قاله، وأن يعذر غيره، بل ربما ظن أن قول غيره هو الصواب، فيحبه ويدعو له.
مشكلة أهل الظلم والبغي والخارجية، قلت أم كثرت، مشكلة علمية نفسية، إذا خولفوا لم يفهموا حقائق هذا الاختلاف، ولم يفهموا العلم ووسائله، ذلك لأنهم زعموا مزاعم هي الكذب، وهم بهذا يحبون العلو في الأرض، وتتحول المسألة عندهم من كره من خالف الرسول صلى الله عليه وسلم إلى كره وبغض من خالفهم هم.
وتصور الخلاف بين أعلم الناس وهم الصحابة يوجب على العالم أن يعلم أن الخلاف بعدهم أشد، فوجب توسيع دائرة الإعذار، ولا يغرنك قولهم أن العلم اليوم مناشر فوجب ترك الخلاف، فقائل هذا القول جاهل جهلًا مركبًا، وليس له من فهم الشريعة والقدر شيء مما يمدح به ويدخله في زمرة العلماء المحققين.
وتبكيني كلة الشيخ هنا: (فإن رحمهم الله ... )
إنها هداية القلوب والنفوس، وعطاء رباني يضعه الله في قلوب العلماء والناس رحمة بهم، لما علم ربنا من قلوبهم حب الخير والصلاح، وإلا كان الخلاف المذموم، لا يخالف الرجل أخاه في مسألة حتى سب بعضهم بعضًا، وبدأت بينهم صراعات الديكة، وكشف العورات، والتحدث عن السيئات، وخاصة إذا كان بينهم تاريخ صحبة، فحينها ترى العجب العجاب من حرمان الله لهم الرحمة.
وأنت إذا تأملت زماننا وجدت أن الناس يتحاسدون ويتقاتلون ويتسابون وهم في قول واحد، بل في بلاء واحد، يلبس عليهم الشيطان بوجود خلاف في العبارات والكلمات، فكيف إذا وقع الخلاف، وقد وقع.