هذه المرتبة هي مرتبة العلم مجردًا، وكيف هو في نفس الباحثين عنه، والطالبين له.
لكن يبقى علاقة الناس بهذا الاختلاف، وما شأنهم معه، تنازعًا أو إعذارًا.
تأمل كلمة الشيخ رحمه الله وقوله:) فإن رحمهم الله أقر بعضهم بعضًا، ولم يبغ بعضهم على بعض .... وإن لم يرحموا وقع بينهم الاختلاف المذموم (.
فهاهنا مرتبة النفوس مع هذا الاختلاف العلمي، ومرتبة التقوى في التعامل معه، ومرتبة الإخلاص وعدم العلو وعدم البغي.
في نفس كل مجتهد أنه الحق، أو هو الأقرب للحق، ولكنه كذلك في نفسه نوع احتمال أن هذا الحق منازع، وذلك لأسباب لا يعرفها إلا من مارس الفقه والبحث والاجتهاد، وأما المقلد الذي يرفع شعار الاجتهاد كذبًا فلا خبرة له باضطراب النفوس مع هذا النوع من المسائل، ولذلك هو مطمئن اطمئنان الطفل بقول أبيه، والذي يجزم أنه الحق كله، وأن غيره باطل بطلان الشرك والكفر، وهو سبب البغي والظلم، فالجهل هو من يصنع هذا اليقين الزائف المبني على التقليد حتى لو زعم النظر والاجتهاد.
العلم هو من يصنع النفوس، والعقلاء هم من يعرفون مراتب الدلالات، وهم من يعيشون على قاعدة: لا تكتب عني كل ما أقول، فقد أقول اليوم قولًا أرجع عنه غدًا، فهو لا يعذر المخالف إلا بعد أن أعذر نفسه، وعلم حال غيره من خلال حاله هو.
الصغار والجهلة هم من يجزم بقول يحتمل ولو بشيء يسير صحة غيره، ولكنهم لا يعلمون، فيقع البغي والظلم والتجاوز، ويصبح المرء على معنى الخارجية في هذا الباب مع المخالف، فيكفره أو يفسقه أو يحبسه.
فهذا واقع قدري، والشرع يقره، ويتعامل معه تعامل الرحمة والتشجيع، فيعطيه الأجر حتى وإن أخطأ، ولكن هذا الشرع العظيم لا يعطيه حق سباب وظلم المخالف