هذا التقرب يعني أنك بعت فاشترى، وعاهدت فأوفيت، وشهدت بالقول فكان لك رؤية ما تشهد.
هذا التقرب يعني غيابك عما تريد، وإقبالك عما يريد، وخروجك من داعية هواك إلى تحقق عبدًا لرب العالمين.
ثم اعلم أن هذا التقرب له أزمنة خاصة ترفع قيمة الفعل وإن قل، فركعتان في جوف الليل خير مما سواهما من النفل، وساعة بين الصفين أعظم من كل الساعات في غيرها، وكلمة ذكر بين الغافلين محبوبة لمولاها، وعبادة في الهرج كهجرة إلى رسول رب العالمين، فاحرص أن تفهم نفس الرب وماذا يحب، وليكن نظرك لما يحب، وماذا يفرحه، حينها تكون عبدًا يستحق القرب.
هذا القرب يعطيك العلم به، والعلم بما يحب ويكره، يعني العلم بشرعه، ويعطيك العلم بحكمته، فيكون لك طاقة من فراسة، وطاقة من صبر، وطاقة من ذوق وغياب عن القاذورات، فما أنت حينها إلا قريبًا من رب العالمين: يرعاك ويعطيك ويرحمك وينصرك ذلك لأنه يحبك.
إذا كانت تقتلك المعصية، فتشد عليك بألمها، وتسوؤك الغفلة فترهقك بآثارها، فاعلم أن هناك منفذًا يخرجك من ذلك كله وهو الهروب إليه ركضًا وإسراعًا (وأعوذ بك منك) .
لا تلتفت إلا له، ومرن نفسك أن تراقبه، وان تسعى لفرحه، بذكرك له، وحبك له، وخوفك منه.
(من أتأني يمشي أتيته هرولة)
هل لامست قلبك هذه الكلمة، فعلمها هو تذوقها حالًا بأن تديم ذكره، وأن تجاهد في سبيله، وأن تلتقط محاسن من سبقوك وأعظمهم رسل الله، فتسير سيرهم، واسلك مسالكهم.