فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 103

أنت تأتي طائعًا باكيًا سائلًا، هو يأتيك بمطالبك وأعظم من مطالبك، وأكبر من مقاصدك، لأنه الكريم.

فكيف إن جئت إليه تطلبه هو، أن تعرفه في قلبك حق المعرفة، وأن تؤمن به حق الإيمان، وأن تبصر حكمته في الوجود، وأن ترى يده وراء كل موجود، تسعى إلى أكمل ما يحقق لك العبودية له: ذوق الحال وتحقق العلم في القلب والجوارح واللسان.

إياك أن يخطر على بالك وأنت تدعوه أنك تنبهه لوجودك، وأنك تريد لفت نظره إليك، فهذا جهل منك، وهذا ضعف في علمك وحالك، بل تأمل ماذا قال عنه أعظم العالمين به، وكيف كان قبل أن تدعوه: (هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟) [1] فما أنت بندائك ودعائك إلا مستجيبًا لندائه، فهو المقبل عليك قبل إقبالك، وهو الناظر إليك وأنت في غفلتك قبل تنبهك، ثم هو برحمته وغناه عنك وبعلمه ضعفك لا يطلب منك إلا أن ترتقي درجة درجة، ومع كل درجة يأتيك أكثر مما أتيته، ليس كحال من لا يقبل عليك حتى تأتي بالكثير مما يحركه، فيطلب منك حالًا خاصة لا يقدر عليها الضعفاء، لا والله بل هو جل في علاه يعلم ضعفك، فيأتيك بأي حال كنت من القوة والضعف، وكلما زدت زاد، وكلما أكثرت أكثر، فالله أكثر.

قال ابن القيم، وهو رجل صاحب ذوق وحال:"وهذا الموضع هو سر السلوك وحقيقة العبودية، وهو معنى الوصول الذي يدندن حوله القوم" [2] .

هذا التقرب يعني انخلاعك من حال إلى حال، فمن غفلة لذكر، ومن أعراض لإقبال، ومن غياب لحضور.

(1) صححه الألباني في صحيح الجامع.

(2) مدارج السالكين (3/ 271) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت