وكنت حين أكون في خلوة السجن، وهي تمتد أمام عيني، ومعها تجثم أسوار الزنزانة الضيقة أذهب لكتاب ربي، فما هي إلا صفحات أتلوها فتذهب الأزمنة الثقيلة جريانًا، ووالله تحدثًا بنعمة الله تعالى: إني لتغيب عني أسوار الضيق والقهر، فكأني في عالم آخر، وحديث آخر، ومعنى آخر، فيا الله ما أعظم الأنس بالقرآن، ويا الله ما أعظم أهل القرآن بالهناء والراحة والطمأنينة وبرد العيش، ووالله من لم يذق لم يفهم، ومن لم يعش فإنما هو ميت بين الأحياء.
في القرآن أنس المعاني لأصحاب المعاني، وأنس النور لمن يطلب طرد الظلمة، وأنس أعظم من ذلك كله وهو مجالسة المحبوب.
وإن هذه المعاني لا تكون إلا لقلب عاش مع الآخرة، ورغب عن الدنيا، وأيقن أن الموت هو الحقيقة التي لا تنكر، وأنها واقفة أمام عينيك تنتظرك، وأنت تمشي إليها في كل لحظة، فهي طالبة لك كل حين، لا تكل ولا تمل.
وحين يغيب الغيب، فينسى المرء، والمرء نسّاء كما نسي آدم عليه السلام، فنسيت ذريته، يحضر الموت، وقرب الرحيل، فلا تأنس بشيء من الدنيا، لأنك مفارقه، فأنت لا تبكيه عندما يذهب، بل أنت باكيه وهو بين يديك، كما قال الشاعر:
وَلَقَدْ بَكَيْتُ على الشَّبابِ وَلمّتي ... مُسْوَدّةٌ وَلِمَاءِ وَجْهي رَوْنَقُ ...
حَذَرًا عَلَيْهِ قَبلَ يَوْمِ فِراقِهِ ... حتى لَكِدْتُ بمَاءِ جَفني أشرَقُ
لا يقر لك قرار السكون والاطمئنان لشيء من أشياء الدنيا، فأنت إن أصبحت لا تنتظر المساء، وإن أمسيت فلا تنتظر الصباح، وكيف تقر والموت يلاحقك، فإن دعيت لغفلة أو ذنب تذكرت الموت، وما بعد الموت، فيحصل لك ذكرى الصالحين {تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} .
الله يكفي، فاتخذه وليًا، واتخذه صاحبًا لك، تذكره دائمًا، وهو معك إن ذكرته، واتخذه إلهًا دون غيره، لأنك إن سألته أعطاك، وإن عذت به أعاذك، وإن حماك