العربية وحدها تسير نحو الفوضى المحمودة بل العالم برمته بما فيه بلاد الروم بشقيها الأوروبي والأمريكي يسير نحو ذلك، وإن كان بخطىً أضعف مما هو عليه الحال في البلدان العربية.
فالبلاد العربية وخاصة تلك البلاد التي تفجرت فيها الثورات الشعبية بشكل مزلزل، لا يمكن لها أن ترجع للوراء ولو خطوة واحدة بإذن الله تعالى، بل هي في طريقها إلى مزيد من التحرر من ربقة الطاغوت وتحكمه، حيث بدأت تأخذ هذه الدول طابعًا وشكلًا من أشكال الحياة العربية البدائية الشبيه بما قبل تشكل الدول بمفهومها المعاصر، وهي نحو مزيد من الاستقلالية الذاتية الداخلية، وذلك على درجات متفاوتة كل على حسبه، وإن الذي يظن واهمًا أن البلاد العربية يمكن أن يستقر أمرها أو تعود إلى سابق ما قبل الثورة، أو يُمني نفسه أن تؤتي الديمقراطية أكلها على الطريقة الغربية فيتم تداول السلطة على النمط الغربي بين الأحزاب المختلفة، ويسود الاستقرار السياسي والأمني هذا لا يدرك حقيقة ما يجري اليوم فضلًا عن معرفته بطبيعة الشعوب العربية التي لا تقبل طبيعتها وتكوينها ما يعرف بالحكم الديمقراطي وتداول السلطة وذلك للأسباب التالية:
الأول منها: أن طبيعتهم القبلية تمنع انقياد بعضهم لبعض ولا يتم اجتماعهم وانتظامهم مع وجود الفوضى والسلاح بأيديهم إلا بوجود صبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة كما قال ابن خلدون في مقدمته، وهذا ممتنع وجوده في ظل الديمقراطية الغربية.
الثاني: أن تعدد الطوائف الدينية والقومية في الدولة الواحدة يمنع الاستقرار السياسي غالبا، وبالتالي تداول السلطة بين الفرقاء بطريقة سلسة، وما العراق ولبنان وفلسطين عن ناظر كل لبيب ببعيد.
الثالث: أن العرب خاصة والمسلمين عامة أبعد ما تكون ثقافتهم عن تقبل مثل هذا النوع من الحكم وفهم طبيعته، فهم لم يعتادوا عليه ولن يعتادوا لسابق ما ذكرنا من حالهم.
الرابع: أن الإنسان العربي لا ينقاد إلا بالدين أو بالقوة وليس من المعقول أن يتسلط عليهم طاغوت آخر يسوسهم بالحديد والنار حتى يخضعوا له بعد أن حطموا بدمائهم صنم الوهن الذي حذر منه المصطفى صلى الله عليه وسلم، والنظام الديمقراطي لن يحكم الناس بالدين ولن يحكمه بالحديد والنار وبالتالي لن تفلح في قوم اسمهم العرب.
الخامس: أن الديمقراطية لن تحقق للمواطن العربي الكثير من تطلعاته، ولن تجلب له لقمة العيش التي انتفض من أجلها في بعض المواطن، حيث أن هذه الدول لا تملك مقدرات ذاتية تلبي