الصفحة 25 من 28

إن التطور الدلالي للألفاظ واستعمال المجتمع ألفاظًا جديدة بدلالات جديدة قضية قديمة في كل اللغات، وليست العربية بدعًا بينها، ثم إن العربية نفسها لم تكن واحدة قبل الإسلام إنما هي لهجات تداخلت وتقاربت، فنشأت منها لغة موحدة نزل بها القرآن الكريم، لكن اللهجات وظواهرها اللغوية ظلَّت إلى جانب هذه اللغة الموحدة، واختلاف القراءات القرآنية ناتج عن الظواهر اللغوية في هذه اللهجات. وظلَّت العربية واللهجات التي اختلطت باختلاط العرب بغيرهم في صراع، غير أن الفصيحة كانت هي لغة الدين والدولة والعلم والأدب، ثم مرّت في مراحل ضعف لظروف تاريخية حتى عصر النهضة الحديث، فالنهضة ألقت الضوء على قضية اللغة، فبان الفرق الحادّ بين الفصيحة التي جمدت قرونًا عن التطور، ثم الدارجات في الوطن العربي التي ظلَّت تتضخّم بما يقضي حاجات الطبقات الشعبية باختلاطها وأخذها ممّن خالطوهم واحتكّوا بهم من الأمم كالفرس والأتراك والأوروبيين. لقد ورثت العربية تراكم عصور من الخلاف اللغوي، والمعجم العربي احتوى على آلاف الكلم المهجورة، وهو في تطور دائم خصوصًا في عصر النهضة وما بعدها عن طريق الترجمة والتعريب والاقتراض والوضع، والدارجات أيضًا ورثت تراكم العصور السابقة لكن العربية الفصيحة ما زالت تتمتع بقوة عناصر البقاء، فبالرغم من أن عربيتنا المعاصرة تدخل في ظل عربية القرآن الكريم أنظمة ودلالات، واللغة الفنية ما زالت الفصيحة المتطورة الممتدة من الأصل؛ لذلك نحن نفهم شعر زهير بن أبي سلمى، وعمر بن أبي ربيعة، وأبي نواس، وأبي تمام، والمتنبي، والبهاء زهير، والبارودي، والرصافي، والجواهري، وعمر أبو ريشة، وأبي القاسم الشابي، ونزار قباني، والسياب، وأحمد عبد المعطي حجازي، ومحمد خليفة التليسي، وهكذا ما شئت من تعداد الشعراء والكتّاب على مرّ العصور واختلاف الأوطان ... وإذا جرت العربية على لسان عامّة الناس، لغة للتخاطب كما هي في وسائل الإعلام المختلفة وقاعات المحاضرات دون التأكيد على حركات الإعراب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت