كانت هذه الطريقة تقوم عليه التلقين. وقوام التلقين إلى وقت غير بعيد وسيلتان: هما (1) الحفظ؛ (2) الإملاء.
فأما الحفظ فكان دأب المعلم والمتعلم على السواء. فإن المتعلم كان لا يتصدر للتدريس إلا إذا أجيز له ذلك بعد أن يحفظ النصوص المشتملة على العلم الذي أجيز فيه؛ وتلك النصوص أنواع منها الأصول - وهي المتون التي يضعها"المصنفون"- ومنها شروح المتّون والحواشي على الشروح؛ وقد كانت قدرة العالم تقاس بكثرة محفوظة واستظهاره المطولات من المؤلفات دون أن يحتاج إلى مراجعة المكتوب. وقد عاشت من أجل ذلك مقولة ما زلنا نسمعها إلى اليوم، وهي"العلم في الرأس لا في الكراس" (41) وما قيل في المعلم يقال في المتعلم أيضا. فإن هذا لا يتم له"التحصيل"إلا إذا حفظ واستظهر ما حفظ من المتون والشروح والحواشي. وقد يفني عمره في تحصيل العلم والوقوف على غاياته كثرة التآليف واختلاف الاصطلاحات في التعليم وتعدد طرقها تم مطالبة المتعلم والتلميذ باستحضار ذلك، وحينئذ يسلم له منصب التحصيل، فيحتاج المتعلم إلى حفظها كلها أو أكثرها ومراعاة طرقها. ولا يفي عمر بما كتب في صناعة واحدة إذ تجرد لها، فيقع القصور ولابد دون رتبة التحصيل (42) . وقد أرادوا أن يسهلوا للمتعلم تعليمه وأن ييسرو له درس النحو فصاغوا له مبادئ العلم الأساسية في قوالب مبسطة يسهل حفظها واستظهارها أهمها"المنظومات"أو"الأراجيز"والمختصرات النحوية التي يحفظها في مراحل الدراسة الأولى، فتكون كالمداخل إلى العلم.
وأما الإملاء فكان الوسيلة الأساسية في انتقال العلم من السلف إلى الخلف، وتواصله ونقله، وقد كان التصدر للتدريس في جوهره تصدر للإملاء قيلتقى المتعلم ما يمليه عليه معلمه مما حفظ هو نفسه، وإذ شرح أو ناقش أو علق كان ذلك كله إملاء أيضا (43) .