ويحصل من ذلك أن"سيسبق إلى المبتدئ كثير من الملكة أثناء التعليم فتنطبع النفس بها وتستعدّ إلى تحصيلها وقبولها (36) ."
والنتيجة الثانية هي تحصيل الصناعة، أي المعرفة بقوانين الإعراب دون معرفة العمل بها، فإن المتعلم"يحصل على علم اللسان صناعة ولا يحصل عليه ملكة" (37) . وهذه النتيجة تنتهي إليها من طرف المتأخرين في نظر ابن خلدون. وهم - فيما نرى - النحاة الذين وصلتهم قواعد العربية مقننة بعد أن وضعها"المتقدمون"حسب ما أداهم إليه وصفهم لكلام العرب. وقد اكتفى هؤلاء النحاة المتأخرون بنقل تلك القواعد والقوانين دون شواهدها فأفادوا في تعلم الصناعة ولم يفيدوا في تعلم الملكة. وقد أشار ابن خلدون إلى شيئ من ذلك:"وأما المخالطون لكتب المتأخرين العارية من ذلك (38) إلا من القوانين النحوية مجردة عن أشعار العرب وكلامهم فقلما يشعرون لذلك بأمر هذه الملكة أو يتنبهون لشأنها، فنجدهم يحسبون أنهم قد حصلوا على رتبة في لسان العرب وهم أبعد الناس عنه (39) . وينتج عن فساد الملكة ضعف استعمال العربية لأن المعرفة بالصناعة لا تكفي لإجادة استعمال اللغة، وقد لا تفيد إجادة الصناعة النحاة أنفسهم:"وكذلك تجد كثيرا من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علما بتلك القوانين، إذ سئل في كتاب سطرين إلى أخيه أو ذي مودته أو شكوى ظلامه أو قصد من قصوده اخطأ فيها الصواب وأكثر من اللحن ولم يجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود فيه على أساليب اللسان العربي" (40) ."
وإذن فإن أهم ما كان معتمدا في تدريس النحو طريقتان: طريقة ينتج عنها تعليم الملكة وطريقة ينتج عنها تعليم الصناعة؛ وهذه الطريقة الثانية هي التي غلبت بعد العصر الأول، أي بعد القرنين الثاني والثالث الهجريين. وأهم ما