الصفحة 26 من 40

وإن كنا نوافق النحاة على أن حذف النون والتنوين للإضافة ضرب من ضروب الخفّة؛ فإننا لا نرى أن التخفيف قيمة دلالية أُقيمت الإضافة لأجله، فلم يكن قصد الناطق ساعة أضاف الوصف إلى معموله، إحداث التخفيف فحسب، وإنما قصد من ضم البنيتين إحداث قيمة دلالية لا تَحْسُن إلاّ بمجموع المتضايفين. وقد أدرك بعضهم هذه الحقيقة، يقول الفارسي في تعليله لقراءتي النصب والجر في قوله تعالى: {هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} [الزمر: 38] وقوله: {هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} [الزمر: 038] ، يُقرآن بالتنوين والنصب، وبحذف التنوين والخفض، فالحجّة لمن نوّن أنه أراد الحال والاستقبال، ولمن أضاف أنه أراد ما ثبت ومضى (84) .

لأن اللغة حين تجد في تركيب ما، بيانًا أكثر ممّا في تركيب آخر، تهجر هذا إلى ذاك، وقد ذكرنا في ما مضى طائفة من القراءات القرآنية التي قُرئت بالوجهين: بالإضافة تارة وبالتنوين والنون أخرى، كقوله تعالى: {وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2] ، قرأ الجمهور بثبوت النون وقرأ الأعمش بحذف النون والإضافة (85) .

ولو كان الأمر على ما يقول النحاة لما عدل الناطق من الخفّة إلى الثقل مع قدرته على تحقيق ذلك؛ ولعُدل إلى الإضافة ولخلت اللغة من كل تركيب مظنّة الثّقل، لكن التخفيف هو آخر ما يتحكّم في اللغة وتراكيبها.

أمّا التخفيف فهو مظهر سياقيّ يحدثه الذوق الاستعمالي الذي يكره توالي التنوين مع الإضافة في سياق تركيبي واحد، أو لِنقل هو سلوك نطقي يُجلب لحلّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت