وُصولًا إلى المَدنيةِ الحَديثةِ المُتطورةِ؛ حَيثُ تَختَفي الفَوارقُ القَبليَّةُ السَّابِقةُ، بَقِيَ الخِطابُ الاجتِماعيُّ ثَابِتًا، دًونَ تَغييرٍ يُذكرُ.
اِمتِدادُ السَّنواتِ، واِنقِضاءُ أكثرَ من ألفِ عَامٍ، رَسَّخَ الأسسَ النَّسقيةَ، وجَعلَ الخِطابَ مُتضَخِّمًا؛ مُستَحوِذًا على اللغةِ؛ مَانِعًا مُحاولاتِ التَّبديلِ، والتَّغييرِ في بِنيةِ الخِطابِ الأصليِّ، فَبدلَ إنشاءِ خِطابٍ مُتوافقٍ مع العَصرِ الرَّاهنِ لِكُلِّ مَرحلةٍ؛ حَسبَ مُقتضياتِها، نَجِدُ اِجتِرارَ سِماتِ الخِطاباتِ السَّابِقةِ، والبِناءِ على مِنوالِها.
أفضَلُ، بَلْ أصدَقُ مَا يُمثِّلُ مُحاولاتِ اِجتِرارِ سِماتِ الخِطاباتِ السَّابقةِ؛ الإتيانُ بِها، وإلقَاؤها كَما هِي، كَأنَّ الزَّمنَ لَمْ يَتغيرْ بَعدَ مُرورِ ألفِ سَنةٍ، أو أكثرَ (169) ، ولَعلَّ الشَّاهِدَ البَارِزَ في هَذا المِضمارِ؛ مَا يُمارِسُهُ بَعضُ الفُضلاءِ من أئِمَّةِ المَساجدِ، والعُلماءِ في خُطَبِهم (170) ؛ إذْ يَجلِبونَ النَّصَّ القَديمَ (171) ، ثُمَّ يَقومونَ بِإلقائِهِ (172) ، عِوضَ الاستِفادةِ مِنهُ، أو الإشارةِ إليهِ، مُتناسينَ ظُرُوفَ المَرحَلةِ الرَّاهنةِ، ومَا تَحتاجُ إليهِ من تَغييرٍ في بِنيةِ الخِطابِ الاجتماعيِّ.
لَيستْ جَميعُ النُّصوصِ السَّابقةِ مُتساويةٌ، بَل بَينها اِستثناءاتٌ، لَكنَّ الاستثناءاتِ التي نَتحدثُ عَنها قَليلةٌ جِدًا إذا قِيستْ بِالمَجموعِ الكُلِّيِّ لِلنُّصوصِ التُراثيةِ الوارِدةِ.
الحَشدُ النُّصُوصِيُّ الهَائِلُ مِن المَروياتِ المُتوارَثَةِ؛ كَرَّسَ سُلطَةَ الخِطابِ (173) القَويَّةِ لُغويًا، واِجتماعيًا، مِما أنتجَ"تَناسُقًا" (174) فِي لُغةِ الخِطابِ، واِرتقى بِها؛ لِتُحدِثَ أثرها الفَاعِلَ دَاخلَ بِنيةِ الثَّقافةِ السَّائِدةِ.
فِي البِدءِ، يَتَّخذُ الخِطابُ اللغةَ السَّائِدةَ مُنطَلقًا؛ لِتكريسِ مَفاهِيمهِ، وثَوابِتهِ، ثُمَّ يَنطَلِقُ، بَعدَ تَكريسِ الثَّوابِتِ، إلى التَّأثيرِ في بِنيةِ الثَّقافةِ المُعاشةِ (175) ؛ إذْ يَسِمُها بِسماتِهِ، ويُلقي عَليها مِن ظِلالِهِ، مُمارِسًا مَنطِقَهُ القَويَّ؛ المُعتمِدَ على قُوةِ الحُجَّةِ، والبُرهانِ (176) .
تَستَجِيبُ الثَّقافةُ لِمَنطِقِ الخِطابِ؛ المُعتمِدِ عَلى الحُجَّةِ القَويَّةِ، فَتبدأُ في صَوغِ نَفسِها بِما يُلائِمُ الخِطابَ، كَما تَعملُ على إعادةِ صِياغَةِ أفكارِ الأفرادِ؛ لِتَقبُّلِ الخِطابِ، والتَّرويجِ لَهُ.