"الانحرافُ"اللغويُّ لَيسَ تَشوُّهًا في بِنيةِ اللغةِ ذَاتِها، بَلْ اِتِّخَاذُ وَضعِياتٍ مُلائِمةٍ لِلخِطابِ النَّسقيِّ، فاللغةُ"لا يَتحكمُ فِيها مُباشرةً عَقلُ المُتكلمينَ بِها" (162) ، بَلِ الخِطابُ النَّسقيُّ يَستحوِذُ على اللغةِ، ويَعملُ على تَوجِيهِها (163) "حَسبَ شَرطِهِ النَّسقيِّ" (164) ، ثُمَّ تَعملُ اللغةُ في وَضعِيتِها النَّسقيةِ على إمدَادِ الذِّهنِ بِمَعَاييرَ تَفريقيةٍ بَينَ مُستويينِ؛ مُستوى المَنعِ، ومُستوى الإباحةِ؛ المَرغوبِ، وغَيرُ المَرغوبِ.
العَمليةُ اللغويةُ النَّسقيةُ المُتمثِّلةُ فِي خِطابِ النَّسقِ، تُقدِّمُ الأفكارَ الجَاهزةَ (165) إلى ذِهنِ الفَردِ، وتُلبِسُها لِباسًا مِن الشَّرعيةِ (166) ؛ مِما يُساهِمُ فِي قُبُولِ الفَردِ لِهذهِ الأفكارِ، وتَبنِّيها، والإيمانِ بِها إيمانًا مُطلقًا.
تَختَمِرُ الأفكارُ في الذِّهنِ البَشريِّ إلى أنْ تُصبِحَ ثَوابِتَ"حَياتيةٍ"لا يَجوزُ إنكارُها، أو تَجاوُزُها، حَيثُ يَتِمُّ تَأصِيلُ الثَّوابتِ، وجَعلِها أُسُسًا يَنبَني عَليها الفِعلُ اللغويُّ (167) ، أو غَيرُ اللغويِّ.
حَركِيَّةُ الخِطابِ بَاديةٌ جِدًا في المَقولاتِ اللغويةِ الصَّادِرَةِ عن النَّسقِ، فالأفرادُ يَتعاملونَ في ما بَينهم بِاللغةِ، ثُمَّ تَأتيْ الرُّموزُ، والعَلاماتُ كَنمطٍ مُتقدِّمٍ من أنماطِ التَّعاملِ اللغويِّ؛ حَيثُ يَتمُّ تَرجمةُ الرُّموزِ، والعلاماتِ غَيرِ اللغويةِ إلى مُقابِلها اللغويِّ.
يُسهِمُ الخِطابُ في بِنيةِ (168) اللغةِ من خِلالِ الأسسِ التي سَبقَ ورَكَزَها في ذِهنِ الأفرادِ؛ المُتعاملينَ بِاللغةِ، فَحينَ يَنبنيْ خِطابٌ فَرعيٌّ على الأصلِ النَّسقيِّ، نَجِدُ اِستحواذَ الخِطابِ النَّسقيِّ عَليهِ، وتَوجيهِهِ؛ وِفقَ ما يَرتَضيهِ الأصلُ، ويُؤسسُ لَهُ.
نُمثِّلُ لِذلكَ بِالخِطابِ الاجتماعيِّ، فَحِينَ يَتأسسُ يَعتمِدُ الخِطابَ الأصليَّ؛ خِطابَ الدِّينِ، ويَعملُ كَترجَمةٍ لِهذا الأصلِ، حَيثُ يُعدُّ فَرعًا، أو تَنويعًا لِلخِطابِ الدِّينيِّ، مَعَ تَمسُّكِهِ بِالثَّوابتِ المُقرَّرةِ سَلفًا؛ إذْ لا يَجوزُ خُروجُهُ عَليها لأيِّ سَببٍ كَانَ، وهو ما يُفرزُ وِحدةَ الخِطابِ، وتَنوُّعِ أشكالِهِ.
الأمرُ بِهذهِ الصُّورةِ أوجدَ مُعضِلةً في الخِطابِ الفَرعيِّ؛ الاجتِماعِيِّ ذَاتِهِ؛ تَمثَّلتْ في بَقاءِ بِناءِ الخِطابِ على هَيئةٍ وَاحِدةٍ، فَرُغمَ الاِنتقالِ من طَورِ الجَاهليةِ؛ المُتعصِّبةِ لِلقبيلةِ، إلى نَمطِ التَّعدُّدِ الأمَمِيِّ الإسلاميِّ المُختَلِفِ،