بِما أنَّ الأدبَ نِتاجٌ اِجتماعيٌّ، فَالخِطاباتُ التي أنتجها إنَّما هي تَنويعاتٌ لِلخِطاباتِ الاجتماعيَّةِ،"فكلُّ مُجتمعٍ وكُلُّ ثَقافةٍ لَها مَجموعةٌ مِن أنماطِ الخِطابِاتِ التي يُمكنُ تَحديدُها. ولَيسَ هُناكَ مُبررٌ لإدانةٍ أحدِها باسمِ الآخَرِ ... لَكنَّ هَذا لا يَعني أنَّ كُلَّ خِطابٍ يَظلُّ فَرديًا ولا يَتعادلُ مَعَ أيِّ خِطابٍ آخَرَ. فَبَينَ الخِطابِ العامِّ والخِطاباتِ الخَاصةِ هُناكَ أنواعُ الخِطابِ" (156) .
الخِطاباتُ النَّسقيةُ؛ ثَقافيةُ النَّشأةِ، اِحتوتِ المُنتجاتِ الثَّقافيةِ، وجَعلتها تَتلبسُ النَّسقَ، بَلْ اِستخدَمتها لِتعزيزِ النَّسقيةِ الاجتماعيةِ، فَبَاتَ الأفرادُ المُؤمنونَ بِالنَّسقِ يُؤمنونَ بِخطابِهِ (157) ؛ إيمانًا مُطلقًا.
تَتوزعُ الخِطاباتُ النَّسقيةُ، وتَتخذُ هَيئتينِ؛ هَيئةً نَصِّيةً؛ تَتشكلُ مِن أبنيةٍ لُغويةٍ (158) ، تَتمظْهرُ في الأقوالِ، والنُّصُوصِ، والمُستنداتِ، والأحكامِ، والأمثالِ، وكُلُّ ما لَهُ عَلاقةٌ بِاللغةِ المَنطوقةِ، أو المَكتوبةِ (159) .
الهَيئةُ الأخرَى لِلخِطاباتِ النَّسقيةِ تَتكرسُ في الرُّموزِ، والعَلاماتِ غَيرِ اللغويةِ (160) ، حَيثُ يُضفِي النَّسقُ المَشروعيةَ عَليها، مِن خِلالِ اِستخدامِها، وتِكرارِ الاستخدامِ لَها؛ إلى أنْ تَركُزَ في أذهانِ، وفِكرِ المُنتمينَ لِلنَّسقِ.
تَعملُ الخِطاباتُ النَّسقيةُ على الحَثِّ الدَّائِمِ، عَبرَ التَّمييزِ بَينَ ما هو مَرغوبٌ، وبَينَ ما هو غَيرُ مَرغوبٍ؛ بَينَ المُباحِ والمَمنوعِ، مُتَّخِذَةً وَسيلةَ اللغةِ أساسًا في عَمليةِ إيصالِ رِسالتِها، كَما تَستعينُ بِالرُّموزِ غَيرِ اللغويةِ بَعدَ ذَلكَ، إنَّما الأساسُ الثَّابتُ المُستعملُ في إيصالِ الرِّسالةِ يَلتفُّ حَولَ اللغةِ بِأنماطِها المُختلفةِ.
اللغةُ فِكرٌ عَامٌ يَستوعِبُ جَميعَ الأنساقِ، بَينما الخِطابُ النَّسقيُّ تَوجيهٌ لِلغةِ وِفقَ الأسسِ الثَّابتةِ التي يَرتكِزُ عَليها النَّسقُ، فَحِينَ يَحُثُّنا الخِطابُ النَّسقيُّ على الالتزامِ بِتعاليمهِ، نَجِدُ اللغةَ المُستعملةَ قَد أصابها نَوعٌ من"الانحِرافِ" (161) ؛ المُؤدِّي إلى خِدمةِ الخِطابِ النَّسقيِّ.