رُغمَ أنَّ النَّسقينِ؛ الثَّانيَ والثَالثَ، وُلِدَا مِن رَحمِ القَبيلةِ نَفسِها، إلاَّ أنَّهما اِتَّخذا طَريقينِ مُختلفينِ في اِستلهامِ التُّراثِ الثَّقافيِّ السَّائِدِ، فَحينَ اِتَّخذَ النَّسقُ الثَّانيُ لِنفسهِ خِطابَ الفَضائِلِ، عَارضَهُ النَّسقُ الثَّالثُ مُتَّخِذًا لِنفسهِ خِطابَ الرَّذائِلِ.
اِنْحِرافُ خِطابِ النَّسقِ القَبائِليِّ وَاجَهَهُ خِطابٌ دِينيٌّ، وخِطابٌ قَبليٌّ، فَحدثَ الصِّراعُ بَينَ الأنساقِ وخِطاباتِها، اِنتهى الصِّراعُ بِهزيمةِ النَّسقِ القَبائِلِيِّ، وبَقاءِ خِطابِهِ كَامِنًا.
كُمُونُ الخِطابِ لا يَعني اِنتهاءَهُ، بَلْ تأجيلٌ لِلمواجهةِ؛ حَيثُ يَبقى مُنتظِرًا اللحظةَ المُناسِبةَ لِإظهارِ نَفسهِ من جَديدٍ.
في ظِلِّ الصِّراعِ بَينَ الأنساقِ وخِطاباتِها قَد نَتَفَهَّمُ عِبارةً اِستنتاجيةً تَأتي في نِهايةِ البَحثِ، تَصِفُ النَّسقَ بِأنَّهُ"إذا دَخلَ شَيئًا شَانهُ وحَوَّلهُ من الصَّوابِ إلى الخَطأِ ومِن الحِيادِ والمَوضُوعيةِ إلى الانْحيازِ" (154) ، لَكنَّنا لا نَتفقُ مَعها تَمامَ الاتِّفاقِ، فإذا اِنطبقتِ النَّتيجةُ على النَّسقِ الثَّالثِ وخِطابهِ، فَمُحالٌ أنْ تَنطبقَ على النَّسقِ الأولِ وخِطابهِ.
مِثلما يُوجدُ خِطابٌ نَسقيٌّ مُعارِضٌ، فَكَذلكَ يُوجدُ خِطابٌ نَسقيٌّ مُهادِنٌ، تَتعدَّدُ الخِطاباتُ، وتَتنوَّعُ، وتَتقاطَعُ، لَكنَّ ذَلكَ لا يُؤدِّي بِالضَّرورةِ إلى الصِّراعِ الأكيدِ فيما بَينها، فَكثيرٌ مِن الأنساقِ تَعايشتْ مَعًا؛ في ظِلِّ لُغةٍ وجُغرافيةٍ وَاحِدةٍ، أو مُتقارِبةٍ، دُونَ أنْ يَحدُثَ بَينها أيَّ نَوعٍ مِن أنواعِ الصِّراعاتِ، والسَّببُ يَعودُ إلى شُعُورِها بِالطَّمأنِينةِ تِجاهَ هَويتِها.
أدَبيًا وُجِدتْ أنماطٌ من الخِطابِ، دُعِيتْ باسمِ"الأجناسِ الأدبيةِ" (155) ، تَعايَشتْ في ما بَينها، وتَقاطَعتْ، دُونَ لُجوءِ أحدِها إلى إلغاءِ الآخَرِ، ومَحوِ هَويتِهِ؛ حَيثُ ظَلَّ الأساسُ في التَّعاملِ إبقاءُ الهَويِّةِ، وتَعزِيزُها، الأمرُ الذي مَكَّنها من التَّعايشِ، بَلْ دَعمِ الخِطابِ الكُليِّ، عَبرَ خِطابَاتِها الفَرديَّةِ.