لا يُمكنُ تَفسيرُ الصِّراعِ الشَّرسِ بَينَ الأنساقِ إلاَّ بِفهمِ الأساسِ الذي قَامتْ عَليهِ، وأسَاسُ الصِّراعِ يَدورُ حَولَ"الهَويةِ"، حَيثُ"هي عَلامةٌ من عَلاماتِ النَّسقِ الثَّقافيِّ" (151) ، فَغِيابُ"الهَويةِ"غِيابٌ تَامٌ، ومَحوٌ لِلنَّسقِ من الوجودِ.
عَلى هَذا الأساسِ"الهَويَّةِ"يَنبني خِطابُ النَّسقِ الدِّفاعيِّ، فَكُلَّما اِزدادَ الضَّغطُ على النَّسقِ؛ لِمَحوِهِ، اِزدادتْ شَراستُهُ في الدِّفاعِ.
يَقومُ خِطابُ النَّسقِ بِعَملينِ مُهمينِ؛ الأولُ: إبرازُ"الهَويَّةِ"وتَأكِيدُها، وإكسابُها المَشروعيةَ اللازِمةَ، والثَّانيُ: الدِّفاعُ عن"الهَويَّةِ"بِشتَّى الطُّرُقِ والوَسائِلِ.
الثَّقافةُ العَربيةُ اِحتوتْ"ثَلاثَةَ أنساقٍ مُتقاطِعةٍ هي:"
1 -نَسقُ الفَضائِلِ الدِّينيةِ.
2 -نَسقُ الفَضائِلِ القَبَليةِ الثَّقافيَّةِ.
3 -نَسقٌ مُتَشَعْرِنٌ (قَبَائِليٌّ) " (152) ."
إذا كَانَ النَّسقُ الأولُ دِينيًا، يَستمِدُّ غِطاءَهُ الخِطابِيَّ من الإسلامِ، فإنَّ النَّسقَ الثَّانيَ قَبَلِيًا، اِستمدَّ خِطابَهُ من الثَّقافةِ العَربيةِ، فَتقاطعَ مع النَّسقِ الأولِ؛ الدِّينيِّ (153) ، ودَعمهُ؛ لِكونِهما يَحمِلانِ هَمًا مُشتركًا؛ هَمُّ الفَردِ العَربيِّ.
النَّسقُ الثَالِثُ؛ القَبائِليُّ، وُلِدَ من رَحمِ القَبيلةِ، واِتخذَ لِنفسهِ خِطابًا مُضادًا لِلنَّسقِ الثَّانيِّ؛ نَسقِ الفَضائِلِ القَبَلِيَّةِ الثَّقافيَّةِ، بَل عَمِلَ على مُعارضَتِهِ، والانتقاصِ مِنهُ.