الصفحة 58 من 76

يَستَحوذُ مَنطِقُ الخِطابِ على الثَّقافةِ، إلى أنْ يُصبِحَ مَنطِقُ الثَّقافةِ، ومَنطِقُ الخِطابِ شَيئًا وَاحِدًا (177) ، فَالثَّقافةُ أساسًا تَكَونُ مَنطِقَةَ عَملِ الخِطابِ (178) ، ومُمارسةً لِإجراءاتِهِ المُتنوعةِ.

في هَذهِ المَرحَلةِ المُتقدِّمةِ من سَيطَرةِ الخِطابِ على الثَّقافةِ، تَأخُذُ الأنظِمةُ الاتصاليةُ، والتَّواصُليةُ غَيرُ اللغويةِ؛ المُصاحِبةِ لِلغةِ الشِّفاهِيةِ، أو المَكتوبةِ في التَّشَكُّلِ وِفقَ مُعطَياتِ الخِطابِ، وإجراءاتِهِ؛ إذْ يَتعدَّلُ"مَرموزُها"المَعنويُّ، أو يَكتسِبُ مَعنىً جَديدًا؛ لِمُسايرةِ المَرحَلةِ الرَّاهِنةِ، والتَّغيُّراتِ الحَادثةِ فِيها.

الأنظِمةُ الاتصاليةُ، والتَّواصُليةُ غَيرُ اللغويةِ إنَّما هي تَفرُّعٌ لِلنظامِ اللغويِّ؛ فَنِظامُ"أضويةِ المُرورِ ... مُشتقٌ من اللغةِ، ومن اِستعمالٍ مُحدَّدٍ ومُتخصِّصٍ لَها" (179) .

"إنَّ اللغةَ هي نِظامٌ من العَلاماتِ المُعبِّرةِ عن أفكارٍ، وبِهذا ومُقارنةً بِالأنظِمةِ التَّواصُليةِ الأخرى كَنِظامِ لُغةِ الصُّمِّ والبُكمِ أو نِظامِ الطُّقُوسِ والشَّعائِرِ أو الإشاراتِ العَسكَريَّةِ، وما إلى ذَلكَ تَبقى اللغةُ الأهمَّ من هَذهِ الأنظِمةِ" (180) .

تَكتسبُ الرُّمُوزُ، والعَلاماتُ غَيرُ اللغويةِ مَعناها من اللغةِ؛ المُسيطَرِ عَليها من لَدُنِ الثَّقافةِ، والثَّقافةُ بِدورِها تَخضَعُ لِسُلطَةِ الخِطابِ.

سِلسِلةٌ من العَلاقاتِ المُتشابكة (181) ؛ تُؤدِّي إلى نَتيجةٍ وَاحِدةٍ؛ ثَابتةٍ؛ هي"مَركَزيةُ"الخِطابِ، وسَيطَرتِهِ سَيطَرةً تَامةً على مَفاصِلِ العَمليةِ اللغويةِ، فالفِعلُ اللغويُّ (182) ؛ كَطَوافِ الحَاجِّ في مَكةَ حَولَ الكَعبةِ، يَتأسسُ عَبرَ قَواعِدَ أساسيةٍ، تَمَّ وَضعُها من قِبلِ السِّياقِ الإسلاميِّ، وكَرَّسها الخِطابُ بِاعتِبارها عَلامةً من العَلاماتِ الدَّالةِ عَليهِ.

"كُلُّ شَيءٍ تَقريبًا في الحَياةِ اليَوميَّةِ يُمكنُ اِعتبارُهُ بِمثابةِ عَلامةٍ أو إشارةٍ مَادامَ يُمكنُ اِستخدامُهُ لِتوصيلِ رِسالةٍ مَا أو لِلدِّلالةِ على شَيءٍ مَا" (183) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت