الصفحة 51 من 76

اللغةُ ذَاتُ وَظيفةٍ إبلاغيةٍ؛ تَهدِفُ إلى إيصالِ فِكرةٍ ما، ونَقلِها من طَرفِ المُخَاطِبِ إلى ناحيةِ المُخَاطَبِ، عَمليةُ نَقلِ الفِكرةِ تَحتاجُ إلى مَرجعيةٍ ثَقافيةٍ مُتَّفَقٍ عَليها بَينَ أطرافِ العَمليةِ اللغويةِ، وهم؛ أهلُ اللغةِ الواحدةِ (139) .

الإبلاغُ وَظيفةٌ لُغويةٌ، وبالمِثلِ؛ هي وَظيفةٌ مِن وَظائِفِ الخِطابِ (140) ، لكنَّ الخِطابَ لا يَقتَصِرُ على الوَظيفةِ الإبلاغيةِ، بَل يُمارِسُ عَمَلَهُ في بِنيةٍ أعمقَ، فالمَضمونُ، أو دِلالةُ الكلامِ، أو المَقصودُ مِنهُ يَصِلُ بِعدَّةِ طُرُقٍ؛ مِن بينِها اللغةُ (141) .

أيضًا، الخِطابُ ليسَ دِلالةَ الكَلِماتِ، أو الجُمَلِ، أو النَّصِّ، بَل هو يَتجاوزُ هَذهِ الآلِياتِ إلى ما هو أعمقُ مِنها، لَكنَّهُ يَعتبِرها جزءًا أسَاسِيًّا يَعتمِدُ عَليهِ (142) ؛لِبناءِ هَدفِهِ الكُلِّيِّ؛ المُنصَبِّ على تأسيسِ مَنطوقِ الثَّقافةِ الحَاليةِ لِجماعةٍ لُغويةٍ تَتخذُ لُغةً مُشتركةً تَتعاملُ بِها.

فِي المُجتمعِ الواحدِ قَد تَتعدَّدُ الخِطاباتُ، بَل رُبما تَصارعَتْ في ما بَينها، خَاصةً تِلك الفِئاتُ المَحرومةُ مِن مُمارسةِ حَقِّها في الخِطابِ؛ حَيثُ يَنشاُ صِراعٌ (143) "بَينَ الجَماعاتِ أو الفِئاتِ التي تَدَّعِي لِنفسِها حَقَّ الخِطابِ وتِلكَ التي كَانتْ مَحرومةً مِن مُمارسةِ ذَلكَ الحَقِّ أيْ التي تُحرمُ مِن حَقِّ خِطابِها هي ذَاتُها" (144) .

الفِئاتُ المَحرومةُ، غَالبًا ما تُؤسِّسُ نَسقَها الخَاصَّ بِها، مَعَ تَأسيسِ النَّسقِ يَتأسَّسُ الخِطابُ (145) ، إذْ يَأتِي في صُورةٍ مُناوِئةٍ لِخطابِ السِّياقِ الذي تَفرعَ عَنهُ، ورُبَّما تَجاورَتِ الفِئتانِ جُغرافيًّا، لَكنَّ خِطابَهُما يَبقى مُختلِفًا، بَل مُتعارِضًا، ما لَم يَحدُثْ تَقاربٌ بَينهما.

اِختلافُ الأنساقِ يُؤدِّي لِلصراعِ؛ الذي يَتخذُ أشكالًا مُتنوعةً، قَدْ يَمتدُّ الصِّراعُ زَمنًا، تَصِلُ الحِدَّةُ فِيهِ إلى سَفكِ الدِّماءِ (وهو أخطر ما في النَّسقيةِ) (146) ، إلى أنْ يَصِلَ الصِّراعُ مَرحَلتَهُ الأخيرةَ بِاِنتصارِ نَسقٍ على آخَرٍ، وضَمِّهِ إليهِ، أو إقصائِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت