المصدر لفعل الأمر في نحو: ضَرْبا ً زيدا ً، لكن اعتبرت مشابهته في النداء استحسانا ً، فلا يراد على ذلك، كما أنّ فَعال العلم لمّا بُني حملا ًعلى فَعال الأمر لم يَتعَدَّ الى سائر أحواله) (152) .
? (ذهب الأصمعيّ الى منع نداء النكرة مطلقا ً) (153) ، والحقيقة أن الناظر الى فحوى هذا الرأي للوهلة الأولى يشعر أن الأصمعيّ ّ بهذا الرأي يذهب الى ما يخالف الواقع اللغويّّ، إذ المقرر أنّ (الأسماء كلها يجوز نداؤها) (154) سواء أكانت معارف أو نكرات فمن الممكن (أن يكون المنادى نكرة ً كما في قول الأعمى: يارجلًا خذ بيدي، لعدم ندائه الى شخص معيّن) (155) ، والمعروف أن النداء هو تنبيه المخاطب الذي يكون في نيّة المتكلم أن يوجه خطابه اليه كما يقول سيبويه: (إنّ المنادى مختص من بين أمّته لأمرك، ونهيك، أو خبرك) (156) ، وقد (ذهب المازني الى أنّه لا يتصور أن يوجد في النداء نكرة غير مقبل عليها) (157) . ولعلّ الإقبال نحو النكرة يضفي عليها التعريف، بل إن ّالنداء عوض عن التعريف ولم يجمع بين حرف النداء والألف واللام لئلا يكون كالجمع بين العوض، والمعوض إلاّ في ضرورة (158) ،وبذلك يكون النداء قد عرّف المنادى النكرة نتيجة للإقبال عليها، ولذلك رأوا أنّ من المحال أن يدخل على المعرفة وهي باقية على تعريفها لئلا يجتمع على الاسم تعريفان (159) . وبهذه النتيجة يتضح لنا سبب مذهب
الأصمعيّ في منع نداء النكرة؛ لأنّه كان يرى النداء سببا لتعريف الاسم، فالظاهر عنده أن الأسم المنادى معرفة؛ لإقبال المخاطب عليه.
? ذهب الى عدم جواز دخول الالف واللام على (كل، بعض) موافقا جمهور النحاة؛ لأنّهما في الأصل معرفتان بالاضافة لفظا أو تقديرا فلا يقبلان تعريفا آخر، وجوّز الحريريّ وابن درستويه والزجاج دخول (ال) عليهما (160) ، وقال الزبيديّ والأزهريّ: (النحويّون أجازوا الألف واللام في: بعض وكل، وإن أباه الأصمعيّ) (161) .
? ذهب الى وجوب الفتح في جمع المؤنث السالم عند حذف التنوين إذا سمّي به، إذ قال: (ترك التنوين مع الكسر خطأ وينبغي أن يفتح) (162) ، وهذا مايراه سيبويه وإن لم يصرّح به (163) ، وقد خالفهما المبرد إذ كان لا يجوّز الفتح (164) ، ويكسر (التاء) من (أذرعات ِ) ، و (عانات ِ) كسرا بلا تنوين (165) .
? ورأى عدم جواز دخول (إذ) و (إذا) في جواب (بينا) و (بينما) (166) ،وكان معيار الأصمعيّ في هذا الحكم هو الفصاحة على وفق ما يقتضيه منهجه النحويّ، ويتضح ذلك في قوله: (إذ) و (إذا) في جواب (بينا) و (بينما) لم يأتِ عن فصيح) (167) . ويعلل ابن الحاجب النحويّ (ت 646 هـ) هذا الحكم في (إيضاحه) بقوله: (والأصمعيّ لمّا رأى مجيء الفعل من غير(إذا) و (إذ) مع استقلال المعنى ظنّ أنّ مجيئه زيادة لا فائدة فيها، فحكم بأن الفصيح إسقاطها) (168) .ويقول في مصنّف آخر: (لم يستفصح الأصمعيّ دخول(إذ) و (إذا) مع الفعل لما فيه من بقاء الظرفين من غير عامل ظاهر يعمل فيهما) (169) ؛ لأنّك إذا أدخلت (إذ) صارت كأنّها بدل من (بينما) ، ومنعت أن تعمل (طلع) فيما قبلها في قولنا: بينما نحن بمكان كذا طلع علينا فلان، فيصير ظرف مذكور من غير عامل يستقل كلاما (170) . في حين أجاز سيبويه (بينما زيد ٌ قائم ٌ إذ جاء عمرو) (171) ، وذهب ابن الحاجب الى أنّ الوجهين سائغان؛ لأنه ثبت ذلك في لغتهم (172) ، وقال المراديّ: (والصحيح أنّه عربيّ، ولكن تركها أفصح) (173) ، وذهب الأعلم (ت 476 هـ) مذهبهما إذ قال:(ودخولها في أشعارهم معلوم، قال الشاعر:
استقدر الله َ خيرا وارضيَنّ به ... فبينما العسرُ إذ جاءت مياسيرُ) (174)
وعلى الرغم من ورود الظاهرة في أشعار العرب كما ذكر بعض النحاة، لكن الأصمعيّ لم يجوّزها على أساس معيار الفصاحة.
? رأى الأصمعيّ أنه لم يُستعمل ماضِ ٍ لـ (يوشك) (175) ، وتابعه في هذا الرأي أبو علي الفارسيّ (176) وقد ورد في الشعر كقول الشاعر (177) :
ولو سُئل الناسُ التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملّوا و يمنعوا
إذ قال الأزهريّ إن فيه ردا على الأصمعيّ (178) ، وذكر الخضري في حاشيته أن ما ذهب إليه الأصمعيّ ليس بجيّد، بل قد حكى الخليل استعمال الماضي، وأنشد البيت المذكور، وأضاف قائلا: نعم الكثير فيها استعمال المضارع وقلّ استعمال الماضي (179) ،وأكد ذلك السيوطيّ في الهمع بقوله: (المضارع في أوشك أشهر من الماضي) (180) ، ومن الغريب حقا أن الأصمعيّ الراوية يذهب إلى عدم مجيء (أوشك) ؛ لأنه ورد في أشعار العرب في غير البيت المذكور، وفي مواضع متعددة (181) ، فضلا عن أن القاعدة العامة لأفعال المقاربة التي ينتمي إليها هذا الفعل تنص على
أنّها (أفعال ... جامدة لا تتصرّف، ملازمة للفظ الماضي) (182) .
ويبدو أنّ الفعل (أوشك) يمكن أن يُعدّ متصرّفا إذ استعمل منه المضارع، وهو الاستعمال المشهور، والماضي كما أسلفت، وكذلك اسم الفاعل (موشك) ، وقد وردت شواهد على ذلك (183) ، كما استعمل منه الأمر وأفعل التفضيل حكى ذلك أبو حيان وأنشد بعض الشواهد (184) ، وهذا دليل على إمكان مجيء الماضي لـ (يوشك) .