بحث قدّمه
م. م. نجاح حشيش بادع العتّابي
جامعة ذي قار / كلية التربية / قسم اللغة العربيّة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّد الأنبياء والمرسلين المصطفى الأمين أبي القاسم محمّد وآله الطاهرين، وصحبه المنتجبين.
أما بعد: فإن هناك الكثير من علمائنا الأجلاء عملوا في جوانب معرفية متنوعة، وبرعوا فيها، ومنهم من غلبت شهرته في أحد هذه الجوانب دون غيره، وحري بالدرس أن يكشف النقاب عن بعض تلك الجوانب التي لم ينالوا الشهرة الغالبة فيها، ولم يُكشف عنها؛ لذلك لم تكن واضحة المعالم للمهتمين بالدرس، وجديرٌٌ بالبحث أن يستجلي إسهاماتهم العلمية فيها، ولعلّ الأصمعيّ من أهم أولئك العلماء، وتبرز أهميّة الأصمعيّ في كونه عاش في عصر النحاة واللغويّّين المتقدمين، كأبي زيد وأبي عمرو بن العلاء والخليل ويونس وسيبويه والأخفش والكسائيّ والفرّاء وغيرهم، وكان من ألمع علماء عصره الذين قفزوا قفزات عريضة بالمنجز العلمي الضخم الذي شهده القرن الثاني الهجري، في مجال الدراسات اللغويّّة والنحويّة. فهو من أكابر علماء عصره، وقد ذاع صيته، ونال شهرة واسعة جعلته يحظى برفقة خلفاء عصره ومنادمتهم، فضلا عن أنّه كان من أهم الرواة وألمعهم، فقد أخذت مرويّاته حيّزا واسعا جدا في كتب اللغة فضلا ً عن كتب النحو، فلا يكاد يخلو مصنّف من مطولات كتب النحو أو مختصراتها من إنشاد أو رواية أوحكاية عن الأصمعيّ بدءا ً من كتاب سيبويه (*) ،والغرض من هذه الدراسة تسليط الضوء على الجانب النحويّ وهو أحد الجوانب العلميّة المهمّة التي ميّزت شخصيّته، فهو تلميذ الخليل، فضلا عن كونه راوية العرب. لكن - في حقيقة الأمر- يعدّ الإلمام بآراء الأصمعيّ النحويّة وجمعها أمرا ليس باليسير على الدارس، إذ إن آراءه ماهي إلاّ شذرات قليلة مبعثرة هنا وهناك في مصنّفات النحويّين، ونتف يسيرة مشتّتة، يعد أمر جمعها ودراستها أمرا ليس سهلا؛ لذلك تطلّب جمع هذه المادة وقتا طويلا نسبيا استفرغ فيه الباحث جهده لاستقصاء المادّة، وقد تسنّى للبحث ـ من خلال لمّ شتاتها وتبويبها ودراستها ـ الوقوف على نحو الأصمعيّ ومنهجه في الدرس، ومن الطبيعي أن يكون الأصمعيّ نحويا متأثرا بمناهج الرواة أي إنّه كان نحويا ذا منهج متطرف يُرى فيه ما يخالف منهج نحاة بيئته البصرة. وقد عرض
البحث آراء الأصمعيّ النحويّة من خلال سرد الموضوعات على وفق خطّة البحث، إذ تعرّض الى شخصيّة الأصمعيّ بدءا ً من اسمه ونسبه ومولده، ونشأته وصفاته، وشيوخه وتلامذته، وآراء العلماء فيه، ثمّ عرض مصنّفاته، ثم ّتطرق إلى شخصيّته النحويّة، وأثر الرواية في منهجه، وعرض آراءه على وفق اقترانها بالتخريج أو عدمه، إذ إن بعض آرائه النحويّة اتضحت عن طريق تخريجاته لبعض النصوص اللغويّّة، وبعضها الآخر لم يكن مقترنا بتخريج نحوي لنصّ لغوي، ثم انتهى البحث بعرض أهم النتائج التي توصّل إليها.
اسمهُ ونسبهُ:
جاء في أخبار النحويّين البصريّين أنهُ عبد الملك بن قريب، ويكنّى أبا سعيد، واسم قريب عاصم، ويكّنى بأبي بكر بن عبد الملك بن أصمع بن مطّر بن رياح بن عمرو بن عبد الله الباهلي (1) وورد في مراتب النحويّين أنّه أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن أ صمع بن علي بن أصمع الباهلي (2) . أما القفطيّ فقد أثبت أنّه: (عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع بن مظهر بن رباح بن عمرو بن عبد شمس بن أعيا بن سعيد بن عبد بن غنم بن قتيبة بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان، أبو سعيد الأصمعيّ) (3) ولقب بالأصمعيّ نسبة الى جدّه أصمع.
مولده ونشأته وصفاته:
ولد الأصمعيّ سنة ثلاث وعشرين ومائة (4) ، وكان من أهل البصرة وتتلمذ على أيدي علمائها، ثمّ انتقل الى بغداد أيام هارون الرشيد (5) ?ذ استدعاه الى بلاطه في بغداد، وجعله مؤدّبا ً لوليّ عهده، وهناك تزعّم الحياة العقليّة الناشطة (6) ، وذكرت كتب التراجم أنّ الأصمعيّ كان يتصف بصفات حسنة، فقد كان صدوق الحديث (7) ، ولم يرَ الناس أحضر جوابا، وأتقن لما يُحفظ من الأصمعيّ، ولا أصدق لهجة منه،