الصفحة 7 من 21

-المستوى الدلالي، و فيها محاولة للتشفير عن طريق البلاغة، غير أن المستوى الصوتي ملزم والبلاغي اختياري.

لا يبحث كوهن في الشعر عن صور البلاغة بل عن شكل الأشكال، عن ثابت يمكن بواسطته وصف الابتعاد التكويني للشعر عن النثر،"عن البنية المشتركة بين الصور المختلفة"35 التي تصنع هذا الخرق للغة الشائعة ويطلق عليه مصطلح الانزياح لذلك يتساءل"ما هو النظم -بالفعل- إن لم يكن انزياحا مقننا، قانونا للانحراف بالنسبة إلى معيار صوتي للكلام المألوف؟ .. و كذا على المستوى الدلالي، يوجد قانون للانحراف ليس بنفس الطريقة"36.

وعندما يطرح كوهن النثر معيارا يقاس الانزياح عليه، لا يعني خلوه من انزياحات، إن الفارق نسبي، و لذلك أخذ النثر العلمي لأنه الأقل عناية بالهدف الجمالي و بالتالي يؤول الانزياح فيه إلى الصفر 37 (tend vers zero) .

ومن منظور مخالف تماما لمنظور مولينو و تامين يفرق كوهن بين الشعر و النظم، فبعد أن فرق بين النثر والشعر من خلال مستويي الصوت و الدلالة، تناول النظم حين يضاف إلى النثر فيشكل كلاما منظوما ولا يشكل شعرا،"فالموسيقى حين تضاف إلى النثر لا تغير في بنيته"38 بينما النظم في الشعر مرتبط بالدلالة، إنه داخل في بنية الشعر، فالقافية مثلا ليست مجرد تشابه صوتي لأنها مرتبطة بالدلالة"فالنظم ليس شيئا مستقلا عن الشعر يضاف إليه من خارج إلى المحتوى. إنه جزء من مسار الدلالة و لا يتعلق -بهذا الاعتبار-بالموسيقى ولكن باللسانيات"39.

وبعملية الترجمة يحسم كوهن الفرق الأساسي الذي يبني عليه رؤيته لبنية اللغة الشعرية ويطرح التساؤل الجوهري عن قابلية النثر للترجمة و استحالتها في الشعر 40، وبحثا عن الإجابة يعود إلى التقسيم الذي وضعه يالمسليف بين شكل المحتوى ومادته وشكل التعبير ومادته، فيلاحظ أن الترجمة تنصب على مادة المحتوى وتهمل شكله، وينقل كوهن عن نيدا قوله:"الترجمة تتمثل في إنتاج -داخل لغة الوصول- المكافئ الطبيعي الأكثر قربا من رسالة لغة الانطلاق أولا من حيث الدلالة ثم من حيث الأسلوب فمادة المحتوى هي الدلالة والشكل هو الأسلوب، يمكن لهذه الترجمة الدقيقة أن تتم على مستوى النثر العلمي حيث لغة الانطلاق و لغة الوصول كلتاهما نثر و الأسلوب في درجة الصفر وبالتحديد لأن التعبير (شكل المحتوى) خارج عن المحتوى"41، فالتعبير إذا-يعلق كوهن- يعطي شكلا أو بنية خاصة، يصعب أو يستحيل إعادتها بطريقة أخرى، مع أنه يمكن -من الشعر- أن نحتفظ بالمعنى (في مادته) و لكننا نفقد الشكل و معه الشعر 42.

في دراسته لمستويات البنية الشعرية تتبع كوهن ظاهرة الانزياح وحاول أن يثبت أنها تتم بطريقة منهجية ثابتة فيها جميعا مما يجعله خاصية الشعر بامتياز، وانقسمت الدراسة إلى قسمين: الصوت و الدلالة

*في المستوى الصوتي:

القاعدة هي التوازي بين الوقف الوزني و الوقف الدلالي، فينتهي الوزن حيث تنتهي الجملة، فهو تواز بين الصوت والمعنى، و الجملة تعّرف من خلال المستويين الصوتي و الدلالي"بأنها تمتلك معنى كاملا و محصورة بين وقفتين (DEUX PAUSES) "43.

في النثر يكون الالتزام تاما بهذه الازدواجية، فيكون الوقف حيث يتم المعنى، أما في الشعر فيتم خرق هذا التوازي ويتوقف تطبيق التعريف السابق للجملة ويتم الانزياح في هذا المستوى منهجيا بوسائل مختلفة:

-القافية: حيث تماثل الصوت لا يعني تماثل المعنى خلاف القاعدة المقررة.

-الجناس: يحتفي به الشعر لتعتيم الرسالة حيث يسعى الشعر إلى التقريب و المشاكلة بين ألفاظه بينما ينبني النثر على رعاية القيم الخلافية لممارسة وظيفته الإبلاغية.

-السجع: و له الدور نفسه على مستوى الألفاظ ما للقافية على مستوى الأبيات.

مما يبين أن الكلام الجاري -كما يستنتج كوهن- يقوم بوظيفته من خلال تمييز أقصى، أما الشعر فيقوم بـ ضد-التمييز"فالصوت الذي لا يشتغل داخل اللغة إلا كخط فارق، يشتغل داخل الشعر في اتجاه معاكس"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت