الصفحة 4 من 21

الشعر مثل الخطابة، و إلى الأسلوب الأكثر اشتراكا كما إلى الأسلوب الأرفع، يفهم من ذلك أن المجاز ليس قاصرا على الشعر و أن الشعر لا يعني المجاز أو الكلام الصوري (figure) "16."

أما السؤال الآخر الخاص بالعلاقة بين الكلام المجازي و الشعر فلم يجب عنه البلاغيون ولكن التقسيم الذي أجراه رادون فيلييه (RADON VILLIERS) يتضمن إجابة ضمنية حين جعل الصور المجازية قسمين 17: صور الاستعمال و تكون معجما مشتركا بين الكلام المجازي والكلام الشعري (وهي مجازات اللغة) و مجازات الابتكار أو مجازات الكاتب و تمثل الابتكار الفردي، فتقاطع المستويين يكون في مجازات اللغة بينما تبقى صور الابتكار خاصة و فردية ينصح فونتانييه بعدم استعمالها، و يرى فوق ذلك -مثل بلاغيي عصره- أن مجازات اللغة مقننة فلا يمكن استعمال أي صورة في أي غرض بل يجب احترام التفرقة العرفية لدرجات الأسلوب واختلاف الأجناس الأدبية وكذا اختلاف المواضيع، إذ لكل موضوع معجمه الخاص به.

ولكن تودوروف يرى أن الإجابة لا تزال غائبة، خاصة و أن الملاحظ هو ظهور الكلام المجازي في الشعر- عادة- بقدر أكبر، و كذا عن التشابه و الاختلاف بين الكلام المجازي و الكلام الأدبي ويحاول بناء على وجود هذه الثغرة أن يقدم تصوره للصورة والخطاب الأدبي من الناحية الوظيفية والإحالية (fonction et reference) ، فالصورة هي الثخانة و وظيفتها هي إبراز الخطاب ذاته و ليس دلالته، و الكلام الأدبي يهدف إلى جعل الأشياء الموصوفة حاضرة و لا يبرز ذاته، فتودوروف يفرق بين ثلاث مقولات 18: الخطاب الشفاف والخطاب الثخن و اللغة الأدبية، فالخطاب الشفاف -حيث تغيب الصور- تحضر فيه الأشياء التي يتكلم عنها، أما الخطاب الثخن فهو الذي يجسد الحضور المادي للكلمات من خلال حضور الصور، و اللغة الأدبية ميزتها غياب الأشياء و تصبح الكلمات بلا مرجعية خارجية (على عكس الشفاف حيث حضور الأشياء، والثخن حيث حضور الكلمات) ولكن تكتسب إحالة متخيلة:

-فالخطاب الشفاف (المشترك) توجد فيه إحالة واحدة في التلفظ (حال النطق) و في الملفوظ (بعد النطق) .

-أما الخطاب الأدبي (الشعري مثلا) فإن الإشارة إلى المرجع (في حال التلفظ) و أدوات الإحالة (في الملفوظ) معزولتان و القارئ هو الذي يثير الثانية (أي الإحالة في الملفوظ) .

وبفعل هذه الإحالة المتميزة يكون موقف قارئ الأدب متميزا حسب بلانشو (BLANCHOT) :"معنى الكلمات يعاني نقصا أساسيا وبدل رفض كل إحالة مجسدة إلى ما تعنيه مثلما هو في العلاقات المعتادة، يتجه إلى طلب التحقق، إلى إثارة شيء أو معرفة محددة تؤكد محتواه"19، فالخطاب الأدبي إذا يعوض غياب المرجع -الحاضر في الخطاب المشترك الشفاف- بالإحالة التخييلية و بالتالي يستبدل المعنى المجرد (في حال الملفوظ) بمعنى مثار.

من هذه التفرقة النظرية يخلص تودوروف إلى ثنائيتين متقابلتين:

-كلام مجازي يقابل الشفاف ليجعل الكلمات حاضرة

-كلام أدبي يقابل المشترك ليجعل الأشياء غائبة من خلال إحالة متخيلة حيث المشترك يميل إلى التجريد.

فوجود خصم مشترك يعني قرابة الكلام المجازي و الكلام الأدبي.

إن الأدب من خلال الصور يحاول محو المعنى النقي (pur) الذي أخذته الكلمة في الاستعمال اليومي (محو الدلالة المجردة) و مع ذلك فإنه يرى أن هذا الفصل يبقى هشا ليعكس العلاقات المتداخلة بين الأدب والكلام.20

هذه الأفكار و إن كانت منصبة في البلاغة القديمة على اللفظ باعتباره صورة، إلا أنها لفتات مهمة في دراسة النص، و لذلك بقيت معايير صالحة أعاد البلاغيون الجدد إليها الحياة مع استغلال المقولات والإجراءات اللسانية، مما أمكن معه دراسة مستويات النص: صوتيا ومعجميا وتركيبيا ودلاليا واستغلال المنظور البنيوي من خلال مفاهيم السياق والتضافر والتوازي والمزاوجات (couplages) وغيرها من المقولات التي نقلت مفهوم الانزياح من مستوى اللفظ-الصورة إلى مستوى النص المنزاح كليا.

2 -في الدراسات الحديثة:

حين يكون الحديث عن الشكلانية أو الأسلوبية أو النقد الجديد كمنطلقات لدراسة اللغة الأدبية فينبغي ألا ينسى أن أصحاب هذه الاتجاهات كانوا يتحركون داخل نماذج موروثة ولعل أكثرها تأثيرا هو نموذج البلاغة 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت