يصمد هذا المعيار الهش إذ هاجمه دومارشيه بقوله:"إذا كانت الصور تبتعد كثيرا جدا عن الكلام العادي للناس، فإنه -عكس ذلك- تكون طرق الكلام دون صور هي التي تبتعد عنه إذا كان خطاب ليس فيه إلا عبارات غير مجازية ممكنا"10. الشيوع و الندرة ليسا معيارين صلبين، إذ ليست التعبيرات النادرة كلها صورا كما أن الصور ليست دائما نادرة و دومارشيه لا يعتبر وفرة الصور أو ندرتها معيارا صحيحا حتى أن الكلام دون صور هو النادر بينما الكلام العادي هو الحامل للصور عادة.
ولذلك عدل فونتانييه عن هذا المعيار إلى آخر يعتد بالكثرة النسبية، وهو وجود عبارات ذات صور أقل شيوعا من عبارات لها نفس المعنى، فالكلام المجازي يفارق الكلام الطبيعي من خلال عبارات أقل شيوعا من عبارات لها نفس معناها في الكلام الطبيعي.
ومثال ذلك: الرجل الكريم يوصف بـ:"أخو حاتم"و بـ:"ريح مرسلة"فالعبارتان كلتاهما مجازيتان ولكن وجود الأولى في كلام لا يعني أنه مجازي لأن الصورة شائعة بينما العبارة الثانية الأقل شيوعا بالنسبة إلى الأولى فتدل على أن الكلام الواردة فيه مجازي.
هذا المعيار وضعه دومارشيه وعلق عليه بالقول:"طرق الكلام التي لم يلاحظوا-النحويون والبلاغيون- خصائص أخرى غير معرفة الفكرة تسمى جملا أو عبارات أو أدوارا (periodes) ولكن التي تعبر ليس فقط عن الأفكار ولكنها أفكار ملفوظة بطريقة خاصة تعطيها صفة خاصة بها هذه الأخيرة تسمى صورا"11.
فالخطاب الذي يعرض أفكاره من غير صور هو خطاب غير مرئي وشفاف وغير موجود فيصبح مستحيل الوصف وهو مستوى الكلام العادي والمشترك، بينما الخطاب المجازي هو خطاب يعرض أفكارا في صور مخصوصة كرسوم فوق تلك الشفافية مما يجعل هذا الخطاب مرئيا وموجودا وبالتالي قابلا للوصف"إن وجود الصور يعادل وجود الخطاب"12، فالخطاب يصبح من خلال البلاغة موجودا بينما ينطمس حين يكون إبلاغيا يوصل أفكاره فقط.
رغم أن هذه النظرة تبرز الصور مثل لباس مضاف إلى الخطاب و زينة فوقية -كما هي الحال عند البلاغيين العرب- فإن الشعرية الحديثة أفادت من هذا التصور كثيرا في تحديدها للخطاب الأدبي من خلال ثنائية الثخونة (opacite) / الشفافية (transparence) وهو ما يبرزه تودوروف بالتفرقة بين الخطاب الشفاف الذي لا يهدف إلا ليكون مسموعا والخطاب الثخن الذي يكون مغلفا بصور تجعله مدركا في ذاته لا يحيل إلى أي شيء خارجه فهو مكتف بذاته و"كل الملفوظات اللغوية تتموقع في فضاء ما بين القطبين مقتربة بقليل أو كثير نحو هذا أو ذاك"13.
4 -حيادي/ قيمي:
يجب التفرقة من خلال هذا المعيار بين ما هو واصف وحيادي و بين ما هو محدِّد، وعلى هذا الأساس تكون الصورة محددة غير حيادية، تأتي بامتيازات و بخواص إيجابية للخطاب كتجسيد للمجرد، و تحقيقا للتناغم بين التعبير والفكر، و هذا الاشتراط هو ما دفع البلاغيين إلى التمييز بين استعمال يشوه الخطاب و آخر يحسنه فيما أطلقوا عليه الصورة والخطأ، مع أن كليهما يمثل الوجه المقابل للتعبير الصحيح و المعياري. فالصورة هي -على هذا الأساس- خرق لقاعدة، و مجال هذا الخرق هو بين اللانحوية و اللامقبول في لغة ما، يعلق فونتانييه قائلا:"عبقرية اللغة .. تسمح أحيانا بالانزياح عن الاستعمال العادي أو بتعبير أفضل تسمح و تقر استعمالا ليس هو الاستعمال المشترك والمعتاد، وإن لم تجز أبدا فوضى حقيقية، تستطيع على الأقل إجازة نوع من التغيير في الانتظام، انتظام أو تسوية جديدة و جد خاصة"14.
لكن هذه المعايير التي وضعت لتمييز الكلام المجازي عن الطبيعي هل هي صالحة بالنسبة للكلام الشعري؟ و بتعبير آخر-كما يتساءل تودوروف- هل يتماثل الكلام الشعري مع الكلام المجازي؟ و إن كان الجواب سلبيا فما العلاقة بينهما؟
أجاب البلاغيون بالنفي 15، لأن التجربة أثبتت وجود شعر بلا صور، كما توجد صور أو كلام مجازي خارج الشعر و على حد قول فونتانييه:"صور الخطاب ألا تنتمي إلى كل أجناس الكتابة؟ ألا تنتمي إلى"