الصفحة 2 من 21

هذان مثالان عن صعوبة الحسم في تحديد مفهوم المصطلح وتحديد مجاله سواء في الوصف اللساني أو الوصف الأدبي، وهذا ما يستدعي تتبع المنبت البلاغي للمصطلح ثم امتداداته الأسلوبية.

1 -في البلاغة الكلاسيكية:

ارتبط مفهوم الانزياح عند الغربيين بالدراسات البلاغية، ومع أن البلاغة القديمة قد تم اختصارها في التعبيرية ELOCUTION) (فقد عمل الفرنسيون على توسيع مداها تحت تأثير الفلسفة والنحو 3.

ويعتبر دومارشيه (DU MARSAIS) وفونتانييه (FONTANIER) من أوائل البلاغيين الذين اهتموا بإحياء الدرس البلاغي في مجازه وصوره وعلاقتهما بمستويات اللغة، وفي حين ركز دومارشيه في دراساته على المعنى من حيث التعدد (la polysemie) والترادف (la synonymie) فإن فونتانييه اهتم بالمعنى من حيث علاقته بالحقيقة، يقول في تعريفه للمعنى الحقيقي:"يكون لفظ ما في معناه الحقيقي في كل المرات التي يكون ما يدل عليه ليس-خصوصا- مدلولا عليه من قبل أي لفظ أمكن استعماله في كل المرات، وتكون فيها دلالته أصيلة أولا و متعودا عليها و عادية لدرجة لا يمكننا اعتبارها ظرفية أو مجتلبة، و لكن ينظر إليها بالمقابل على أنها نوعا ما، إجبارية وضرورية"4.

فالمعنى الحقيقي هو المنبعث من اللفظ المعتاد والضروري والإجباري أما المعنى المجازي فهو الذي تحققه الصور التي"تبتعد عن الطريقة البسيطة، عن الطريقة العادية والمشتركة للكلام، في الاتجاه الذي نستطيع أن نستبدلها بشيء عادي و مشترك أكثر"5.

فالمعنيان الحقيقي والمجازي متقابلان و يعكسان مقابلة بين مستوى بسيط للكلام ومستوى يبتعد عنه باستمرار، وبهذا تحدد مجال الدرس البلاغي في المستوى المنزاح عن اللغة المشتركة ولكنه تحديد استند في تعريفه إلى مجهول.6

وسعيا إلى بيان هذا المجهول طرح البلاغيون -من وجهات نظر مختلفة- معايير عديدة للتفرقة بين الكلام البسيط والشائع أو الطبيعي وبين الكلام المجازي (figure) وذلك في مستوى اللفظ فقط، إذ إن بحوثهم تنصب على المجازات والصور، وقد أجمل تودوروف هذه المعايير في أربعة ثنائيات:

1 -منطقي/ لا منطقي:

فالكلام الطبيعي منطقي، أما الكلام المجازي فهو انزياح نحو اللامنطقية، و على هذا الأساس اعتبر طلب شيء هو بحوزة من يطلبه صورة، و كذا وصف شيء بتفاصيل كثيرة وأفكار فرعية مستوحاة من منبع واحد، وهذه الصورة يوازيها في البلاغة العربية الإطناب، فعدّ الإطناب صورة بالنسبة إلى الإيجاز الذي هو أيضا صورة بلاغية عند العرب، لكن البلاغيين الغربيين قابلوا الإطناب بالمنطق بينما قابل البلاغيون العرب الإطناب و الإيجاز كليهما بالمساواة أو المطابقة.

ومع ذلك فلدى الغربيين صورة الحذف و هي غير الإيجاز و عدوّه صورة لأن جملة ينقصها عنصر ليست منطقية، يتضح ذلك في هذا المثال المترجم حرفيا:

-"ماذا تريدون أن يفعل ضد ثلاثة؟"

-"أن يموت"

هذا الجواب غير منطقي، و التركيب الأساسي هو:"ما نريده هو: أن يموت"7

لكن البلاغة الكلاسيكية و تحت وطأة المعيارية أصبحت رهينة هذا المنطق، و عجزت عن مسايرة عبقرية اللغة حتى أن دومارشيه يقول:"لا يجب الاعتقاد بأنه يسمح بأخذ كلمة مكان أخرى سواء من خلال الكناية أو المجاز، يجب -مرة أخرى- أن تكون العبارات المجازية (figurees) قد أجازها الاستعمال، لو قلنا بأن جيشا بحريا متكون من مائة سارية أو مائة مجداف بدل مائة شراع من أجل مائة سفينة نكون مسخرة، كل جزء لا يؤخذ على أنه كل، و كل اسم جنس لا يؤخذ على أنه نوع معين، و لا اسم نوع على أنه جنس، إنه الاستعمال وحده الذي يعطي برغبته هذا الامتياز لكلمة دون أخرى"8.

2 -شائع/ قليل الشيوع:

هذا المعيار يجعل من الكلام البسيط غير متضمن للصور النادرة، فعباراته شائعة ومشتركة ومألوفة، بينما يقابله الكلام المجازي حيث الصورة النادرة البعيدة، يقول فونتانييه:"نستطيع الإثبات بألف مثال بأن الصور الأكثر جرأة ... تكف عن أن تكون منظورا إليها كصور حينما تصبح مشتركة معتادة"9 و لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت