الصفحة 90 من 202

ولكنه يؤطرها في تجربة حداثية محددة هي تجربة رواد قصيدة التفعيلة، وعلى هذا يعترض على دعوات الحداثة التي تقع خارج ذلك الإطار، وهو بذلك يقف بحركة التطور والتجدد عند حدّ معيّن لا يسمح بتجاوزه، فكأنه يصنع نفسه مع من وصفهم بأنهم تقليديون وسلفيون يحاولون تجميد حركة التجديد الشعري، وهو في ذلك ينطلق من روح منهجه السياقي الذي اختاره في بداءاته النقدية، لأنه ربط فكرة الحداثة بفكرة التفاعل مع الواقع الاجتماعي والإنساني.

ولا يبتعد خيري منصور كثيرًا عن موقف فاضل ثامر إذ يرى أن:"الحداثة لا تتأسس على فراغ ... وإنها ليست انبثاقًا جماليًا خالصًا ... لقد اطفأت شموع قصيدة النثر هذا الشكل الشعري الذي كان الأكثر حماسة في التبشير بالحداثة". (27)

إن خيري منصور، هنا، لا يتبنى حداثة مجلة الشعر التي كانت الدعوة إلى قصيدة النثر من بعض مهماتها، وموقفه ذلك يوضحه نص آخر يرى فيه أن ما لايسوّغ تاريخيًا هو التسليم بأن:"الحداثة الراهنة كما يقدمها النموذج العربي المكرس والمتبني من قبل مجلات الحداثة ودعاتها هي حداثة عربية بالمعنى الدقيق" (28) .

وإذا ما التزمنا بفهم الحداثة على أنها التجدد الدائم المستمر ومحاولة ارتياد آفاق جديدة، فلن يمكننا أن نرى في مواقف النقاد الذين يقصرون الحداثة على مجموعة من الشعراء أو جيل أدبي محدد، موقفًا منسجمًا مع المنطق النقدي السليم، لأن ذلك قد يقود إلى (قاعدية) جديدة و (ثبات) لمعنى الحداثة عند حدود ضيقة، وهذا ما لاترتضيه الحداثة لنفسها.

على عكس فاضل ثامر وخيري منصور اللذين استنتجنا من نصوصهما أنهما يقفان بالحداثة عند نمط شعري محدد هو النمط الذي أشاعه رواد قصيدة التفعيلة في العراق، يقف علي جعفر العلاق موقفًا آخر، فهو يقرر أن الإنجاز الرئيس لرواد قصيدة التفعيلة كان، في الغالب إنجازًا عروضيًا في بدايته، ولم ينعكس ذلك على مستوى المضمون والموقف الشعري إلاّ لاحقًا، أما مجلة شعر اللبنانية فكان لها دور بارز في تأكيد حداثة القصيدة مفهومًا وممارسة والانتقال بحركة الحداثة إلى أفق جديدة مختلف. (29)

إنه هنا يرجح كفة دور مجلة شعر التحديثي دون أن يغض من قيمة ما أنجزه رواد قصيدة التفعيلة، ولكنه حين يتحدث عن واقع الشعر العربي اليوم يرى:"إن حداثة القصيدة العربية تكاد تكون حداثة مغشوشة .... وإن الكثير مما يكتب اليوم محسوبًا على حداثة الشعر يكاد يكون مبعث ضجر واحساس بالخيبة ... هذا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت