صفة (المذهب الكلاسيكي) على النقد الذي يُعنى بالأحكام الجزئية في بيت الشعر، تلك الأحكام المتعلقة بلفظة أو معلومات حسية بعيدة عن القيم الشعرية (8) .
وما كان للنقد الأدبي أن يستمر على هذا النحو بوجود التطورات الثقافية والسياسية التي حدثت بعد تلك الحقبة الزمنية، فقد اغتنت الحركة الأدبية والنقدية وافرزت أدبًا جديدًا كان من نتائجه ظهور شعر التفعيلة في العراق وظهور حركة نقدية رافقت هذا الشعر، سواء التزم النقاد المسهمون بتلك الحركة جانب شعر التفعيلة أم خالفوه، وقد أفلحت تلك الحركة في إيجاد ملامح اتجاهات نقدية أسهمت في تطور النقد في تلك المرحلة.
رأى باحث أن الحركة النقدية التي كان شعر التفعيلة قد ولّدها بعد الحرب العالمية الثانية يمكن وضعها تحت ثلاث مسميات هي: الآراء النقدية المعارضة لشعر التفعيلة والآراء النقدية المؤيدة له والآراء التوفيقية، وقد حلل ذلك الباحث تلك الآراء متوصلًا إلى أن ما كان معارضًا منها لشعر التفعيلة جاء مقتضبًا، صفته إطلاق الأحكام العامة من غير لجوء إلى التعليل وأنه لا يخلو من التحامل المسرف في إطلاق النعوت التي تحاول السخرية من تلك التجربة وشعرائها، في حين اتسم أسلوب مؤيدي شعر التفعيلة بالمناقشة الدقيقة الهادفة إلى إبراز الجوانب الفنية في القصيدة الحديثة، كما أن ألفاظ الشتم والسباب أقل ورودًا في معرض آراء هذا التيار، كما تتسم مناقشاتهم بالهدوء وتمتزج في آرائهم الثقافة العربية الموروثة مع الثقافة الغربية المكتسبة (9) . غير أن ذلك الباحث لم يضع الكتابات النقدية التي حللها تحت تسمية منهج معين أو اتجاه ما، خلاف ثابت الآلوسي الذي حلل الأمثلة النقدية السابقة لشعر التفعيلة والمواكبة له ووضعها تحت تسمية (اتجاهات نقدية) .
وينبغي لنا، هنا، أن نكون حذرين من إطلاق صفة (مناهج) على الطرائق النقدية التي بوساطتها نظر النقاد إلى الشعر، مما رافق شعر التفعيلة أو مما سبقه، ذلك أن النقاد آنذاك افتقروا إلى الفهم الدقيق الشامل لأسس تلك المناهج النقدية في غمرة الظروف التي أحاطت باستقبالهم لها، فالتيار الواقعي الاجتماعي مثلًا، وهو تيار نشط:"خلال الثلاثينات من هذا القرن وهو .. الذي جاء بتأثير المناهج الاجتماعية والواقعية التي بدأت تصل إلى القطر تباعًا عبر حركة الترجمة وعن طريق الدارسين في مدارس أوربا (10) "لم يكن معنيًا بالجوانب الجمالية والفنية بسبب سوء فهم نظري لأصول تلك المناهج الاجتماعية والواقعية.