الصفحة 57 من 58

قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون [[1] ].

كل هذه المجريات تنفخ روح الأمل في الطائفة المنصورة في هذا الزمان الذي قل فيه العدد والعدة والنصير، وكثر المخالف والخاذل والمحارب، ورماهم الكفار عن قوس واحدة.

فلابد أن ينجز الله وعده للمؤمنين الصادقين كما أنجزه للأولين.

وفي ظلال السيرة؛ يصحب المؤمن نبيه صلى الله عليه وسلم صحبة روحية، كأنه أحد أصحابه؛ يتفاعل مع أحداثها، ويعيش أفراحها وأتراحها، وأكثر الناس شعورًا بهذا هم أهل الجهاد لأنهم يحيون مشاهد سيرته حياة حقيقية لا مجرد خيال؛ فهم نسخة أصلية عن سيرة النبي وصحبه؛ فقد كانت السيرة مشحونة بمشاهد الصبر والابتلاء والمعاناة في سبيل الله عز وجل؛ وغنية بوقائع الهجرة والجهاد، كانت مكدسة بأجساد الشهداء والجرحى والأسرى وألوان العذاب.

بينما تجد سواهم من القاعدين لا يستطيع أن يدرك حقيقة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فيبقى إدراكه للسيرة ناقصًا مبتورًا؛ بل ربما يصير مسخًا مشوهًا! وكيف يحس من ركن إلى الدنيا وكره الموت، وآثر السلامة؛ كيف يحس بمعاني الصبر والثبات، والصدق واليقين، والولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين؛ التي هي حقيقة التوحيد، وأبرز معالم السيرة المباركة؟!

ألا فليعلم هؤلاء القاعدون - من كانوا وأينما كانوا - أنهم لن يدركوا حقيقة حياة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتركوا ما فيه من التثاقل والإخلاد إلى الأرض، وحتى يسلكوا الطريق الشائك الذي تتبين فيه معادنهم، وتصلب فيه أعوادهم ... كفاهم كذبًا على أنفسهم وعلى الناس، بادعائهم أنهم أولى الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم.

هذا هو الطريق الواضح، طريق التوحيد لقد كانت سيرته تحقيقًا للتوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وليس التوحيد خطبًا تلقى أو كتبًا تدرس - فحسب -؛ بل هو الحياة لله مهما كانت النتائج والضرائب؛ {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} .

ولذلك فإننا نقدم بين يدي القارئ الكريم سلسلة من سيرة النبي العطرة، وقد جعلنا في هذه الحلقة مقدمة لما بعدها؛ تذكرة للمسلمين، وتحفيزًا لهم على صحبتنا في هذه الحلقات،

(1) سورة الأنفال: 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت