حسبانه، وتعلق قلبه به، ثم بعد هذه الخيبة حصل على الحساب الذى يصيره إلى عذاب الأبد في النار، وتشبيه أعمال الكفار بالسراب من حسن التشبيه، فكيف إذا ضمن مع ذلك حسن النظم، وعذوبة اللفظ، وكثرة الفائدة، وصحة الدلالة؟
وأما الاستعارة: فقد أوردوا فيها قول الله تعالى {واشتعل الرأس شيبًا} (مريم:4) .فأصل الاشتعال للنار، لكنه في هذا الموضع أبلغ، وحقيقته كثرة الشيب في الرأس، إلا أن الكثرة لما كانت تتزايد تزايدًا سريعا صارت في الانتشار والإسراع كاشتعال النار، وله موضع في البلاغة عجيب، وذلك أن انتشار الشيب في الرأس لا يتلافى كاشتعال النار [1] .
ويعد الباقلانى كذلك من أبرز من سلكوا هذا الباب في الموازنة بين ما ورد في القرآن من ضروب البلاغة وبين أبلغ ما حفظ عن العرب من ذلك مما عُدّ في أقصى درجاتها، وذلك في الفصلين السابع والثامن من كتابه (إعجاز القرآن) .
لقد ظل القرآن أسلم وأبعد ما يكون في فصاحته وبلاغته عن أي طعن من فصحاء العرب رغم تشوف كفارهم إلى ذلك، ورغم أن انتقاد الكلام، كان دأبهم شعرًا ونثرًا، واستدراك بعضهم على بعض كان ديدينهم رغم قلة الدواعي.
ومما ورد في ذلك ما ذكره الرافعي من استدراك الخنساء على حسان ابن ثابت في شعر أنشده بعكاظ، قال فيه:
(1) للمزيد من ذلك يراجع (النكت في إعجاز القرآن) للرماني، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن: ص 76 وما بعدها.