الصفحة 45 من 90

استحسنوه من كلام العرب: (القتل أنفى للقتل) فظهر البون شاسعا، والتفاوت بعيدًا في البلاغة والإيجاز كليهما، وذلك من وجوه أربعة: أولها: أن عبارة القرآن أكثر فائدة مما قاله العرب لاشتمالها على ما قالوه مع زيادة معان حسنة، منها إبانة العدل لذكره القصاص، وإبانة الغرض المرغوب فيه لذكره الحياة، ومنها الاستدعاء بالرغبة والرهبة لحكم الله به، الثانى: أنها أوجز، فإن عبارة القرآن (القصاص حياة) عشرة أحرف، وأما (القتل أنفي للقتل) فأربعة عشر حرفًا، الثالث: بعد عبارة القرآن عن الكلفة بالتكرير الشاق على النفس، والرابع: حسنها بتأليف الحروف المتلائمة، وهو مدرك بالحس، وموجود في اللفظ، فإن الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة، لبعد الهمزة من اللام، وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء أعدل من الخروج من الألف إلى اللام، فباجتماع هذه الأمور كان القرآن أبلغ وأحسن، وإن كانت عبارة العرب بليغة.

وأما التشبيه: فمن أشهر ما ذكروه فيه قول الله تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} (النور:39) .

ففيه إخراج مالا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، وقد اجتمعا في بطلان المتوهم مع شده الحاجة إليه، ولو قيل في معناه: يحسبه الرائى ماءً ثم يظهر أنه على خلاف ماقدّر لكان بليغا، وأبلغ منه لفظ القرآن، لأن الظمآن أشد حرصا على تحقيق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت