إدخاله المختبر والتجريب عليه، فإنه لا مجال لاتخاذ أي منها مصدرًا من مصادر العلم، وإلا تم تزييف العلم أو هدم نظريَّاته فكل ما تشير إليه الكتب السماوية من كائنات غير مرئية أو بعض القصص التاريخي الذي لا يخضع لاختبارات العلم الوضعي المعاصر لا يملك أحد - في نظرهم - إعطاءه الصفة العلمية، ولذلك خرجت اليونسكو على العالم بتعريف للمعرفة ينص على أنها:"كل معلوم خضع للحس والتجربة".
إن هذا المنطلق يصدر عن فهم خاطئ لم يلاحظ قضية"الجمع بين القراءتين"فغاية"الجمع بين القراءتين"أن تنتهي إلى"فهم كونيِّ"للوجود لا يقتصر على القراءة الثانية بمفردها، فلو اكتفينا بالقراءة الثانية فقط لبقينا في حدود الإطار الوضعي للفكر الإنساني ومقولاته حول الوجود، ولمارسنا مفهومًا يعتمد على تفكيك الظاهرة وتجزئتها انطلاقًا من"الجدلية العلمية المعاصرة واحتماليتها ونسبيتها"، وهنا تبرز محاذير القراءة الثانية المنفردة، إذ أنها تنتهي بنا إلى فكر وضعي جزئي لا إلى فكر كوني. أما حين نجمع القراءة الثانية مع الأولى، فإننا نعرج من الجزئي الموضعي المحدود إلى الكلي في إطلاقه الكوني بما فيه من ظواهر مرئية وغير مرئية فكل رفض لما يسمونه بالغيبيات والماورائيات هو رفض للقراءة الأولى، القراءة الكونية - في الوحي- باسم الله خالقًا، فالوحي كلي يستوعب الجزئي والقراءة الأولى تأخذ بعين الاعتبار كل الغيبيات والماورائيات كجزء أساسي في المنهج لا باعتبارها مجرد مسلمات يجب الإيمان بها فقط، ولكن باعتبارها دليلًا على وجود كوني أكبر من معطيات القراءة الثانية، وهذا ما يعطي الخلق حقيقته الكونية المتكاملة، فاستبعاد الغيبيات هو استبعاد للقراءة الأولى التي نجد دلالاتها على مستوى الوجود والخلق الكوني فهي ليست أساطير أولين كما يتوهم البعض، بل هي أمور ثابتة بأدلة كافية للتدليل على وجودها، وإذا لم نأخذ بدلالاتها فذلك قد يردنا إلى القراءة الثانية الوضعية المتفردة، فلا يسمح لنا ذلك بمعرفة التاريخ الكوني في معناه الحقيقي. فالقراءة الأولى لا تطلب فقط منا الإيمان بوجود الله، ولكنها توجه إلى ألوهية الله