ليست قضية"منهجية القرآن"- إذًا - مجرد ضرورة أو حاجة فلسفية مجردة، لأنها وهي تقدم"الجمع بين القراءتين"تقدم دليل انقاذ الفكر البشري من أزمة اللاهوت المستلب للإنسان والطبيعة، وهي في ذات الوقت تخرج من الإطار الوضعي كل ما يفصم العلم عن خالقه، فلكل من المنهجين آثاره وإسقاطاته على حياة الإنسان ونسقه الحضاري ومبادئه وتشريعاته، فمنهجية القرآن - عند التأمل الجاد لها - تعد أهم مقدمة"لبديل حضاري عالمي"لا يستهدف إصلاح أوضاع المسلمين فقط، بل يستهدف إصلاح العالم كله، وهذه مهمة تتطلب الكثير من البحوث المميَّزة الجادة في القرآن العظيم نفسه بفهم تحليلي جيد ومن منظور علمي وعالميّ منهجيّ، وهذه هي غاية"منهجيَّة القرآن"الأساسية أن تجعل من القرآن كتاب هداية، ودليل استخلاف، وسبيل خلاص، ومنطلق عمران. إنه بدون فهم القرآن فهمًا منهجيًا في إطار وحدته وبنائَّيته الكاملة فهمًا يتصل وينعكس على فهمنا المنهجي المعاصر للظواهر الكونية، وسنن حركتها في"وحدتها البنائّية"أيضًا، يستحيل تأسيس عمران سليم، فمنهجية العالم المعاصرة من شأنها أن ترد الكثرة إلى الوحدة، وتحلل الظاهرة بحثًا عن العلاقات والسنن الكامنة فيها وفيما وراءها، ولا يكتفي بتفسيرها، والقرآن (المكنون المجيد الكريم) قابل في وحدته البنائية الكلية لهذا الفهم المنهجي، بحيث ندرس الكتاب الكريم بمثل المنهجية التي يدرس بها العلماء الكون العظيم، وكما ذكرت بعقلية علمية عالمية قادرة فاعلة تستطيع إدراك التداخل المنهجي بين"منهجية القرآن"و"سنن ومنهجية الكون".
لا شك أن هناك أزمة لا بد للعالم من تجاوزها والتغلب عليها، وتبدو هذه الأزمة - بوضوح - في أن العقل العلمي العالمي المعاصر يرفض كل الكتب الدينية وإذ يتسامح مع بعض موضوعاتها، فإنه يصمم على رفض منهجية أي منها، ولا يدرك وحدة بنائية لأي منها، ولا يتفهم إطارها الغائيَّ مؤكدًا على أن اختصاص أي كتاب دينيٍّ يجب أن يتوقف عند القناعات الإيمانيَّة وغيبيَّات ما وراء الطبيعة. وبالتالي فإن"الجمع بين القراءتين"- الغيبية والموضوعيّة - يبدو في نظر هؤلاء العلمويَّين مستحيلًا طالما أن هناك مقولات في الكتب الدينية تتعلق بالغيب الذي لا يمكن