{إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} سورة الفتح آية (26) مدنية.
{إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية} يقول تعالى مخبرًا عن الكفار ومشركي العرب، من قريش ومن مالأهم على نصرتهم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وذلك حين أبوا أن يكتبوا: بسم اللّه الرحمن الرحيم، وأبوا أن يكتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللّه {فأنزل اللّه سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى} وهي قول: لا إله إلا اللّه، كما قال ابن جرير عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: {وألزمهم كلمة التقوى} قال: (لا إله إلا اللّه) "أخرجه ابن جرير ورواه الترمذي، وقال: حديث غريب"، وقال ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب إن أبا هريرة رضي اللّه عنه أخبره أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه فمن قال: لا إله إلا اللّه فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على اللّه عزَّ وجلَّ) وقال مجاهد: كلمة التقوى الاخلاص، وقال عطاء: هي لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على شيء قدير، وقال علي رضي اللّه عنه: {وألزمهم كلمة التقوى} قال: لا إله إلا اللّه واللّه أكبر، وقال ابن عباس {وألزمهم كلمة التقوى} يقول شهادة أن لا إله إلا الله وهي رأس كل تقوى، وقال سعيد بن جبير: {وألزمهم كلمة التقوى} لا إله إلا اللّه والجهاد في سبيله، {وكانوا أحق بها وأهلها} كان المسلمون أحق بها وكانوا أهلها {وكان اللّه بكل شيء عليمًا} أي هو عليم بمن يستحق الخير ممن يستحق الشر [1] .
{لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} سورة التوبة آية (108 - 109)
قال ابن عباس في الآية: هم أناس من الأنصاربنوا مسجدًا، فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدًا واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجنود من الروم وأخرج محمدًا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: {لا تقم فيه أبدا} ولهذا قال تعالى: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه} ، والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (صلاة في مسجد قباء كعمرة) وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف منهم ابن عباس وعروة بن الزبير وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم والشعبي والحسن البصري وسعيد بن حبان وقتادة وغيرهم
(1) المرجع السابق صفحة:174 - 180