وقوله: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} ، دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة اللّه وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء، والتنزه عن ملابسة القاذورات
وقال أبو العالية في قوله تعالى: {واللّه يحب المطهرين} إن الطهور بالماء لحسن ولكنهم المطهرون من الذنوب، وقال الأعمش التوبة من الذنوب والتطهر من الشرك.
يقول تعالى: لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من اللّه ورضوان، ومن بنى مسجد ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين، فإنما يبني هؤلاء بنيانهم على شفا جرف هار، أي طرف حفيرة في نار جهنم، {واللّه لا يهدي القوم الظالمين} أي لا يصلح عمل المفسدين، قال جابر: رأيت المسجد الذي بني ضرارًا يخرج منه الدخان على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وقال ابن جريج: ذكر لنا أن رجالًا حفروا فوجدوا الدخان الذي يخرج منه، وكذا قال قتادة [1] .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} سورة المائدة آية (2) مدنية.
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر اللّه} قال ابن عباس: يعني بذلك مناسك الحج، وقال مجاهد: الصفا والمروة، والهدي والبدن من شعائر اللّه، وقيل: شعائر اللّه محارمه، أي لا تحلوا محارم اللّه التي حرمها اللّه تعالى، ولهذا قال تعالى: {ولا الشهر الحرام} يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه وترك ما نهى اللّه عن تعاطيه فيه من الإبتداء بالقتال، وتأكيد اجتناب المحارم وفي صحيح البخاري: عن أبي بكرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال في حجة الوداع: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض. السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمرحم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان) ، وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت كما هو مذهب طائفة من السلف. وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى: {ولا الشهر الحرام} يعني لا تستحلوا القتال فيه، واختاره ابن جرير أيضًا، وقوله تعالى: {ولا الهدي ولا القلائد} يعني لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام، فإن فيه تعظيم شعائر اللّه، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وقوله تعالى: {ولا آمين البيت الحرام يتبغون فضلًا من ربهم ورضوانًا} أي ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت اللّه الحرام الذي من دخله كان آمنًا، وكذا من قصده طالبًا فضل اللّه، وراغبًا في رضوانه فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه، قال مجاهد وعطاء في
(1) المرجع السابق الجزء الثاني صفحة: 353 - 355