إذًا لا تقل الناس كلهم يستوون في الإيمان، لا يختلفون؛ الإيمان كان في الهجرة، يختلف عن الإيمان فيما بعد ذلك، الناس كانوا مؤمنين بالقدر الذي جاءهم من الشرع؛ لكن لو آمن الذي جاء بعد الهجرة في المدينة، بنفس الذي آمنت به، قال: أنا سألتزم كما أيام الرسول فقط قبل الهجرة، يعني سأؤمن كما آمن أهل مكة فقط؛ إذًا ماذا نقول له؟ هل هذا مؤمن؟ نصِفُه بالإيمان؟ لا، لأنه لن يصلي للكعبة، لن يصوم؛ كل هذه الفروض فُرضت بعد السنة الثانية من الهجرة.
واحدة تقول لك: لن أتحجب؛ ما كان فيه حجاب إلى سنة 5 هجريًا، يعني لم ينزل فرض الحجاب إلا مع سورة الأحزاب في السنة الخامسة هجريًا؛ يعني يقول لك: ماذا؟ لا، أنا سأظل على القديم، لن آخذ بسورة الأحزاب؛ لذلك قالوا: فلما أجابوا الله ورسوله إلى قبول الصلاة، كإجابتهم إلى الإقرار، صارا جميعًا؛ المرحلتان معًا هما يومئذ الإيمان، إذ أضيفت الصلاةُ إلى الإقرارِ.
والشاهد على أن الصلاة من الإيمان الحديث لما قالوا: يا رسول الله إخواننا الذين ماتوا وكانوا يصلون ناحية بيت المقدس؟ أعمالهم أين ذهبت؟ يعني مؤمنون أم غير مؤمنين؟ نزل قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانكُمْ} ؛ إيمانكم هنا: يعني صلاتكم، يعني العمل وليس القلب والمعرفة القلبية.
بعضهم الذي يقول: سموا الإيمان بالمؤمنين بالقول فقط؛ لما سمعوا تسمية الله إياهم مؤمنين أوجبوا لهم الإيمان كله بكماله، يعني قالوا: ماذا؟ هم كانوا مؤمنين، إذًا هم مؤمنون بكماله من أول يوم. طيب الذي يأتي بعد ذلك، فُرضت فروض، ونُسخت أشياء، ماذا نقول عنهم هؤلاء؟ ولذلك الناس لا تتساوى في الإيمان. الإيمان يختلف من شخص إلى آخر، ومن وقت إلى آخر.
طبعًا سنضطر نقف عند هذا المقدار في هذا الموضوع.
الدرس القادم -إن شاء الله- نبدأ بتفنيد بعض الشبه، ثم بعد ذلك نعرض لكم مناظرة بعض الأئمة؛ كالإمام أبي ثور عندما ناظر المرجئة، وبماذا أفحمهم؟ وكان له نص جيد جدًا، وسنقرأه عليكم -إن شاء الله- لتفهموا كيف كان يتخاطب علماء أهل السنة مع المرجئة ويناظروهم. والإمام أحمد له مناظرات جيدة، ورسائل قيمة جدًا في هذا، وانتصر هو والأئمة الكبار كالأوزاعي وغيرهم -فرحمة الله عليهم- جميعًا.